سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٣٣ - مقدمة المؤلف
رؤوسهم و صعدوا إليه فوق الكرسي و وضعوا رؤوسهم على رجليه و ضج أهل المجلس ضجة واحدة ظننت أن بغداد رجت لها فجعل الشيخ يضم إلى صدره واحدا منهم بعد واحد حتى أتى إلى آخرهم ثم قال لأحدهم أما أنت فمسألتك كذا و جوابها كذا حتى ذكر لكل واحد منهم مسألته و جوابها فلما انقضى المجلس أتيتهم و قلت لهم: ما شأنكم، قالوا: إنا لما جلسنا فقدنا جميع ما نعرفه من العلم حتى كأنه لم يمر بنا قط فلما ضمنا إلى صدره رجع إلى كل منا ما نزع من العلم و لقد ذكر لنا مسائلنا التي بيتناها له و ذكر عنها أجوبة لا نعرفها رضي اللّه عنه.
و قال أبو الحجر حامد الحراني الخطيب: دخلت على الشيخ عبد القادر رحمة اللّه عليه بمدرسته ببغداد و جلست عنده على سجادة لي فنظر إلي و قال: يا حامد لتجلسن على بساط الملوك فلما رجعت إلى حران جبرني السلطان نور الدين الشهيد على ملازمته و قرّبني و أجلسني على بساطه و ولّاني الأوقاف فكنت أتذكر كلام الشيخ رضي اللّه عنه. و قال الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن أبي طاهر بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاري الدمشقي نزيل مصر الفقيه الحنبلي الواعظ: حججت مرة و أتيت بغداد أنا و رفيق لي و ما كنا دخلناها قبل و لا نعرف فيها أحدا و لم يكن معنا الأمدية فبعناها بطسوج و اشترينا به أرزا و أكلناه فلم يطب لنا و لم نشبع و أتينا مجلس الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه فلما دخلنا قطع كلامه و قال: مساكين الغرباء جاؤوا من الحجاز و لم يكن معهم إلا مدية باعوها بطسوج و اشتروا به أرزا و أكلوا فلم يطب لهم و لم يشبعوا فعجبنا منه عجبا شديدا فلما انقضى كلامه أمر بمدّ السماط، فقلت لرفيقي سرّا: ما تشتهي؟ فقال: كشكا بدراج، فقلت في نفسي: و أنا أشتهي شهدا، فقال الشيخ للخادم على الفور: أحضر لنا كشكا بدراج و شهدا فأحضرهما، فقال:
ضعهما بين يدي ذياك الرجلين. و أشار إلينا فوضع الكشك قدامي و الشهد قدام رفيقي، فقال الشيخ: أقلب تصب فلم أتمالك أن صرخت و قمت أتخطى رقاب الناس إليه، فقال: أهلا بواعظ الديار المصرية، قال: فقلت له: يا سيدي فكيف و أنا لا أحسن الفاتحة؟ فقال لي: بهذا أمرت أن أقول لك هذا القول، قال: فاشتغلت عليه بالعلم ففتح اللّه عزّ و جلّ عليّ في سنة بما لم يفتح على غيري في عشرين سنة و تكلمت ببغداد ثم استأذنت منه السفر إلى مصر فقال لي: إنك تصل إلى دمشق تجد بها الغز متأهبين للدخول إلى مصر ليملكوها فقل لهم: إنكم لم تنالوا ما تريدون من مصر في هذه المرة ألا ترجعون و تعودون إليها مرة أخرى فتملكونها، قال: فلما قدمت دمشق وجدت الأمر كما قال لي رضي اللّه عنه. و قلت لهم ما قال لي فلم