سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٨١ - الثاني
و أما قوله سوء أدب، فالعلم أن العلماء المحققين قالوا كلمة تتعلق بجميع كلام سيدي محيي الدين بن عربي و من لاحظ هاته الكلمة استراح قلبه من التوقف في كلامه رضي اللّه عنه، و هي أن محكم كلامه يقضي على متشابهه، و مطلقه يرد إلى مقيده، و مجمله إلى مبينه و مبهمه إلى صريحه. اه.
و أجروا هاته القاعدة في كلام كل معتبر من الأولياء و العلماء و هو مسلك متسع تخرج به الأفكار من مضيق التخرج إلى فضاء الحقيقة، فقوله هنا سوء أدب: أي عند من لم يتجاوز حدود الطريقة إلى بحر الحقيقة و هم المكابدون مشقة السير و السلوك الذين لم يصلوا إلى كمال القرب من ملك الملوك، و لهذا قال: و هذا عندهم في الطريق سوء أدب ففرق بين الطريقة و الحقيقة إذ الأولى مجاهدة، و الثانية مشاهدة و إلا فأهل الحقيقة يعلمون أن صنع الجيلي هو غاية الأدب ففي نفس الفتوحات في باب مقام ترك الأدب و أسراره ما نص محل الحاجة منه.
قال: فإنه أي أحد أصحاب هذا المقام مع الكشف و بحكمه لا مع الذين هم المحجوبون فيه، فهو يعاين علم اللّه في جريان المقادير قبل وقوعها فيبادر إليها فيطلق عليه بلسان الموطن أنه غير أديب مع الحق فإنه مخالف، بل هو في غاية الأدب مع الحق و لكن أكثر الناس لا يشعرون، و منهم أي من أصحاب هذا المقام من يقام في الإدلال كعبد القادر الجيلي سيد وقته و منهم و منهم ... الخ.
تأمل قوله: يقام، تعرف أن إدلال الجيلي ليس برعونة نفس بل بأمر من اللّه و به ثبتت له السيادة، و تأمل قوله: لا مع الذين هم المحجوبون، فهؤلاء هم المشار إليهم قبل بقوله عندهم سوء أدب. و في أول شرح الحاتمي لمسائل الإمام العارف الترمذي الحكيم التي أودعها في كتاب ختم الأولياء اختبارا للمدعين، ذكر: أعني الحاتمي جماعة منهم الجيلي و أبو يزيد البسطامي فقال: هم أعلى من تحقق في طريق اللّه تعالى، و الضابط لمذهبهم استيفاء الأدب المشروع مع اللّه. اه. فهذا كله تبيين لمجمل الحاتمي الذي نقله المعترض للشبه كما هو دأب الذين في قلوبهم زيغ.
و من اللطائف رؤيا حكاها الشيخ أبو بكر العمادي الشافعي نزيل دمشق، قال:
رأيت نفسي في الجامع الأموي و كل من فيه نصارى فاغتظت لذلك، و إذا رجل يقول لي: ادخل إلى الشيخ محيي الدين بن عربي فاشك إليه ذلك، فدخلت فوجدت الشيخ جالسا في محراب المقصورة و بين يديه جماعة قليلة، و هو يدرس فشكوت إليه، فقال لي: لا تحزن هؤلاء النصارى هم الذين ضلوا بمطالعة كتبي.