سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٢ - الفصل الخامس عشر في بيان الطهارة المعرفة في عالم التجريد
فطهارة معرفة الصّفات: لا تحصل إلّا بالتّلقين، و تصفية مرآة القلب بالأسماء من النّفوس البشريّة و الحيوانيّة؛ فيصفو القلب، و يحصل له النّظر بعين القلب من نور اللّه، لينظر بنور الصّفات إلى عكس جمال اللّه تعالى في مرآة القلب كما قال رسول اللّه ٦: «المؤمن ينظر بنور اللّه»[١] و «المؤمن مرآة المؤمن»[٢] و قيل: «العالم ينقش و العارف يصقل».
و إذا تمتّ التّصفية بملازمة الأسماء، حصلت معرفة الصّفات بمشاهدتها في مرآة القلب.
و أمّا طهارة معرفة الذّات في السّرّ: فلا تحصل إلّا بملازمة أسماء التّوحيد الثّلاثة الأخيرة من الأسماء الاثني عشر في عين السّرّ بنور التّوحيد. فإذا تجلّت أنوار الذّات ذابت و فنيت بالكليّة، فهذا مقام الاستهلاك، و فناء الفناء، و هذا التّجلّي يمحو جميع الأنوار كما قال اللّه تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ... [القصص:
الآية ٨٨] فبقي الرّوح القدسيّ بنور القدس ناظرا إليه، ناظرا به منه معه، فيدلّه بلا كيفيّة و لا تشبيه؛ لأنّ اللّه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشّورى: الآية ١١]، فبقي النّور المطلق محضا، و لا يمكن الإخبار عما وراء ذلك؛ لأنّه عالم المحو، فلا يبقى ثمّة عقل يخبر عنه و لا تحوم ثمّة غير اللّه تعالى كما قال رسول اللّه ٦: «لي مع اللّه وقت لا يسع فيه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل»[٣].
فهذا عالم التّجريد من غير اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ:
«تجرّد تصل»[٤] و المراد من التّجرد: فناء الكلّ من صفات البشريّة، فيبقى في عالمه متّصفا بصفة اللّه تعالى كما قال رسول اللّه ٦: «تخلّقوا بأخلاق اللّه»[٥] يعني اتصفوا بصفات اللّه تعالى.
[١] - هو حديث الفراسة رواه الترمذي( ٣١٢٧) و هو مختلف في الحكم عليه سندا، و قد صحّ عن السادة الصوفية كشفا.
[٢] - تقدّم تخريجه.
[٣] - رواه ابن حبان( ٥/ ٢٧٩)، و الحاكم في المستدرك( ٢/ ٤٤٨) و الشافعي في مسنده( ص ٧١)، و ابن ماجه( ١/ ٣٤٤).
[٤] - لم أقف عليه.
[٥] - انظر: الجامع الصغير للسيوطي( ١/ ٢١٧، ٢٢٠).