سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٩٩ - مقدمة المؤلف
لا أدري فإذا سرى عني من ذلك وجدت نفسي في مكان بعيد عن المكان الذي كنت فيه و طرقني الحال مرة و أنا في خراب بغداد و عدوت قدر ساعة و أنا لا أدري ثم سرى عني و إذا أنا في بلاد ششتر بيني و بين بغداد اثنا عشر يوما فبقيت مفكرا في أمري و إذا امرأة تقول لي أتعجب من هذا الأمر و أنت الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه.
و قال الشيخ عثمان الصيرفيني: سمعت سيدنا الشيخ عبد القادر يقول: كنت أجلس في الخراب بالليل و النهار و لا آوي في بغداد و كانت الشياطين تأتيني صفوفا رجالا بأنواع السلاح و أزعج الصور يقاتلوني و يرموني بالنار فأجد في قلبي تثبتا لا يعبر عنه و أسمع مخاطبا من بطين يقول: قم إليهم يا عبد القادر فقد ثبتناك تثبيتا و أيّدناك بنصرنا فما هو إلا أن أنهض إليهم فيفرون يمينا و شمالا و يذهبون من حيث أتوا، و كان يأتيني الشيطان منهم وحده و يقول لي: اذهب من هنا و إلا فعلت و فعلت و يحذرني تحذيرا كثيرا فألطمه بيدي فيفرّ مني فأقول: لا حول و لا قوة إلا باللّه العليّ العظيم، فيحترق و أنا أنظر إليه. و أتاني مرة شخص كريه المنظر منتن الريح و قال: أنا إبليس أتيتك أخدمك فقد أعييتني و أعييت أتباعي، فقلت: اذهب فإني لا آمنك. فجاءت يد من فوقه و ضربت أم رأسه فغاص في الأرض، ثم أتاني ثانية و بيده شهاب من نار يقاتلني به فأتاني رجل ملثّم راكب فرسا أشهب و ناولني سيفا فنكص إبليس على عقبيه، ثم رأيته ثالثة جالسا بالبعد مني و هو يبكي و يحثو التراب على رأسه و يقول: قد آيست منك يا عبد القادر، فقلت له: اخسأ بالعين فإني لا أزال حذرا منك، فقال:
هذه أشد من مقامع العذاب، ثم كشف لي عن أشراك كثيرة و مصايد و مخايل فقلت:
ما هذه؟ فقيل لي: هذه أشراك الدنيا يصيد بها مثلك، قال: فنهرته فولّى هاربا فتوجهت في أمرها سنة حتى تقطعت كلها، ثم كشف لي عن أسباب كثيرة متصلة بي من كل جهة، فقلت: ما هذه؟ فقيل لي: هذه أسباب الخلق متصلة بك فتوجهت في أمرها سنة أخرى حتى تقطعت كلها و انفردت عنها. ثم كشف لي عن باطني فرأيت قلبي مناطا بعلائق كثيرة، فقلت: ما هذه؟ فقيل لي: هذه إرادتك و اختياراتك فتوجهت في أمرها سنة أخرى حتى تقطعت جميعها و تخلص منها قلبي. ثم كشف لي عن نفسي فرأيت أدواءها باقية و هواها حيّا و شيطانها ماردا فتوجهت في ذلك سنة أخرى فبرئت أدواء نفسي و مات الهوى و أسلم الشيطان و صار الأمر كله للّه تعالى. و بقيت وحدي الوجود كله من خلفي و ما وصلت إلى مطلوبي بعد فاجتذبت إلى باب التوكل لأدخل منه على مطلوبي و إذا عنده زحمة فجزته ثم اجتذبت إلى باب الشكر لأدخل منه و إذا عنده زحمة فجزته ثم اجتذبت إلى باب الغنى لأدخل منه فوجدت عنده زحمة