سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٠ - الفصل الرابع في بيان عدد العلوم
فالنّفس توسوس في دائرة الشّريعة من المخالفات، و في دائرة الطّريقة من الموافقات تلبيسا كدعوى النّبوة و الولاية، و في دائرة المعرفة من الشّرك الخفيّ من النّورانيّات كدعوى الرّبوبيّة كما قال تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ... [الجاثية:
الآية ٢٣].
و أمّا دائرة الحقيقة فلا مدخل فيها للشّيطان و النّفس و لا الملائكة، لأنّ غير اللّه تعالى يحترق فيها كما قال جبرائيل ٧: «لو دنوت أنملة لاحترقت»[١]، فيخلص العبد عندئذ من الخصمان النّفس و الشّيطان، فيكون مخلصا كما قال اللّه تعالى: ... فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) [ص: الآيتان ٨٢، ٨٣] و من لم يصل إلى الحقيقة لم يكن مخلصا؛ لأنّ الصّفات البشريّة لا تفنى إلّا بتجلّي الذّات، و لا ترتفع الجهوليّة إلّا بمعرفة الذّات سبحانه و تعالى، فيعلّمه اللّه بلا واسطة من لدنه علما لدنيّا فيعرفه بتعريفه، و يعبده بتعليمه كالخضر ٧. و هناك يشاهد الأرواح القدسيّة، و يعرف نبيّه محمّدا ٦، فتنطبق نهايته إلى بدايته، و الأنبياء يبشّرونه بالوصال الأيديّ كما قال اللّه تعالى: ... وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النّساء: الآية ٦٩].
فمن لم يصل بهذا العلم لم يكن عالما في الحقيقة و لو قرأ ألف ألف من الكتب بحيث لا يبلغ إلى الرّوحانيّة[٢].
فعمل الجسمانيّة بظاهر العلوم جزاؤه الجنّة فقط، و تجلّي عكس الصّفات بثمّة، فالعالم لا يدخل بمجرّد علم الظّاهر إلى حرم القدس و القربة؛ لأنّه عالم الطّيران، و الطّير لا يطير إلّا بجناحيه، فالعبد الّذي يعلم العلمين: الظّاهر و الباطن يصل إلى ذلك العالم كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «يا عبدي إذا أردت أن تدخل حرمي فلا تلتفت إلى الملك و الملكوت و الجبروت، لأنّ الملك شيطان العالم، و الملكوت شيطان العارف، و الجبروت شيطان الواقف، من رضي بأحد منها فهو مطرود عندي»[٣]. و المراد منه مطرود القرية لا مطرود الدّرجات، و هم يطلبون القربة و لا يصلون إليها؛ لأنهم طمعوا غير مطمع، لأنّ لهم جناحا واحدا، و لأنّ لأهل القربة
[١] - تقدم تخريجه.
[٢] - انظر: إتحاف السادة المتقين للمرتضى الزبيدي( ١٠/ ٤٤).
[٣] - لم أقف عليه.