سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٨ - الفصل الثالث في بيان حوانيت الأرواح في الأجساد
أخرج اللّه تعالى من الأرض الآفاق حبّا هو قوت الحيوانات النّفسانيّة، و أخرج من الأرض الأنفسيّة حبّا و هو قوت الأرواح الرّوحانيّة كما قال رسول اللّه ٦: «من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»[١].
و أمّا ربحه فرؤية عكس جمال اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) [النّجم: الآية ١١]، و كما قال رسول اللّه ٦:
«المؤمن مرآة المؤمن»[٢]. و المراد من المؤمن الأوّل قلب العبد المؤمن. و من الثّاني هو اللّه ... الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ... [الحشر: الآية ٢٣]، قال صاحب المرصاد ; تعالى: و مسكن هذه الطّائفة في الجنّة الثّالثة و هي جنة الفردوس.
و حانوت الرّوح القدسيّ في السّرّ كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ:
«الإنسان سرّي و أنا سرّه»[٣]. و متاعه علم الحقيقة: و هو علم التّوحيد. و معاملته ملازمة أسماء التّوحيد، و هي الأربعة الأخيرة بلسان السّرّ في السّرّ بلا نطق كما قال اللّه تعالى: وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى (٧) [طه: الآية ٧] و لا يطّلع عليه غير اللّه تعالى.
و أمّا ربحه فظهور طفل المعاني و مشاهدته و معاينته، و نظره إلى وجه اللّه تعالى جلالا و جمالا بعين السّرّ كما قال اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) [القيامة: الآيتان ٢٢، ٢٣] بلا كيف و لا كيفيّة و لا تشبيه كما قال اللّه تعالى:
... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: الآية ١١].
فلما بلغ الإنسان إلى مقصوده انحسرت العقول، و تحيّرت القلوب، و كلّت الألسن، و لم يستطع أن يخبر عن ذلك؛ لأنّ اللّه تعالى منزّه عن المثال، فإذا بلغ مثل الأخبار إلى العلماء فينبغي لهم أن يفهموا مقامات القلوب، و يرغبوا حقائقها،
[١] - رواه أحمد في المسند( ٥/ ١٤٧)، و ابن المبارك في الزهد( ص ٣٥٩)، و الطبراني في الشاميين( ٢/ ١٧٧)، و القضاعي في الشهاب( ١/ ٢٨٥)، و بنحوه.
[٢] - رواه البيهقي في الكبرى( ٨/ ١٦٧)، و أبو داود( ٤/ ٢٨٠)، و الطبراني في الأوسط( ٢/ ٣٢٥)، و القضاعي( ١/ ١٠٥)، و الضياء( ٦/ ١٧٩).
[٣] - لم أقف عليه.