سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١١١ - المقالة الخامسة و الأربعون في النعمة و الابتلاء
و المصائب في النفس و المال و الأهل و الأولاد فيتعظ بذلك، فكأنه لم ينعم عليه قط و ينسى ذلك النعيم و حلاوته و إن كان الغني قائما بالمال و الجاه و العبيد و الإماء و الأمن من الأعداء فهو في حال النعماء كأن لا بلاء في الوجود، كل ذلك لجهله بمولاه عزّ و جلّ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: الآية ١٠٧] يبدل، و يحلى و يمر؛ و يغنى و يفقر، و يرفع و يخفض، و يعز و يذل، و يحيي و يميت، و يقدم و يؤخر. لما اطمأن إلى ما به من النعيم، و لما اغتر به. و لما أيس من الفرج في حالة البلاء، و بجهله أيضا بالدنيا اطمأن إليها و طلب بها صفاء لا يشوبه كدر، و نسي أنها دار بلاء و تنغيص، و تكاليف و تكدير و أن أصلها بلاء و طارفها نعماء فهي كشجرة الصبر أول ثمرتها مر و آخرها شهد حلو، لا يصل المرء إلى حلاوتها حتى يتجرع مرارتها، فلن يبلغ إلى الشهد إلا بالصبر على المر، فمن صبر على بلائها حلي له نعيمها، إنما يعطي الأجير أجره بعد عروق جبينه و تعب جسده و كرب روحه و ضيق صدره و ذهاب قوته و إذلال نفسه و كسر هواه في خدمة مخلوق مثله، فلما تجرع هذه المرائر كلها أعقبت له طيب طعام و إدام و فاكهة و لباس و راحة و سرور و لو أقل قليل، فالدنيا أولها مرة كالصحفة العليا من عسل في ظرف مشوبة بمرارة، فلا يصل الآكل إلى قرار الظرف و يتناول الخالص منه إلا بعد تناول الصحفة العليا، فإذا صبر العبد على أداء أوامر الرب عزّ و جلّ و انتهاء نواهيه، و التسليم و التفويض فيما يجري به القدر، و تجرع مرائر ذلك كله و تحمل أثقاله، و خالف هواه و ترك مراده. أعقبه اللّه عزّ و جلّ بذلك طيب العيش في آخر عمره و الدلال و الراحة و العزة، و يتولاه و يغذيه كما يغذى الطفل الرضيع من غير تكلف منه و تحمل مؤنة و تبعة في الدنيا و الأخرى كما يتلذذ آكل المر من الصحفة العليا من الغسل يأكله من قرار الظرف، فينبغي للعبد المنعم عليه أن لا يأمن مكر اللّه عزّ و جلّ، فيغتر بالنعمة و يقطع بدوامها، و يغفل عن شكرها و يرخي قيدها بتركه لشكرها. قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «النعمة وحشية فقيدوها بالشكر»[١] فشكر نعمة المال الاعتراف بها للمنعم المتفضل و هو اللّه عزّ و جلّ و التحدث بها لنفسه في سائر الأحوال و رؤية فضله و منته عزّ و جلّ و أن لا يتملك عليه و لا يتجاوز حده فيه، و لا يترك أمره فيه، ثم بأداء حقوقه من الزكاة و الكفارة و النذر و الصدقة و إغاثة الملهوف، و افتقاد أرباب الحاجات و أهلها في الشدائد عند تقلب الأحوال و تبدل الحسنات بالسيئات، أعني ساعات النعيم
[١] - لم أقف عليه.