سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٠٩ - المقالة الثانية و الأربعون في بيان حالتي النفس
رجعت إلى رعونتها و شرها و بطرها و إعراضها عن طاعة ربها و أنهما كها في معاصيه، و تنسى ما كانت فيه من أنواع البلاء و الضر و ما حل بها من الويل، فترد إلى أشد ما كانت عليه من أنواع البلاء و الضر، لما اجترحت و ركبت من العظائم فطما لها و كفا عن المعاصي في المستقبل، إذ لا تصلح لها العافية و النعمة بل حفظها في البلاء و البؤس، فلو أحسنت الأدب عند انكشاف ابلية و لازمت الطاعة و الشكر و الرضى بالمقسوم لكان خيرا لها دنيا و أخرى، و كانت تجد زيادة في النعيم و العافية و الرضى من اللّه عزّ و جلّ و الطيبة و التوفيق، فمن أراد السلامة في الدنيا و الأخرى فعليه بالصبر و الرضا، و ترك الشكوى إلى الخلق و إنزال حوائجه بربه عزّ و جلّ و لزوم طاعته و انتظار الفرج منه و الانقطاع إليه عزّ و جلّ، إذ هو خير من غيره و من جميع خلقه، حرمانه عطاء، عقوبته نعماء، بلاؤه دواء، وعده نفذ، قوله فعل مشيئة حاله، إنما قوله و أمره إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: الآية ٨٢] كل أفعاله حسنة و حكمة و مصلحة، غير أنه طوي علم المصالح من عباده و تفرد به، فالأولى و اللائق بحاله و الرضى و التسليم، و اشتغاله بالعبودية من أداء الأوامر و انتهاء النواهي و التسليم في القدر، و ترك الاشتغال في الربوبية التي هي علة الأقدار و محاربتها، و السكوت عن لم و كيف و متى؟ و التهمة للحق عزّ و جلّ في جميع حركاته و سكناته، و تستند هذه الجملة إلى حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما، و هو ما روي عن عطاء بن عباس رضي اللّه عنهما قال: «بينما أنا رديف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذ قال لي يا غلام: احفظ اللّه يحفظك، احفظ اللّه تجده أمامك، فإذا سألت فاسأل اللّه، و إذا استعنت فاستعن باللّه، جف القلم بما هو كائن، فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يقضه اللّه لك لم يقدروا عليه، و لو جهد العباد أن يضروك بشيء لم يقضه اللّه عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعامل الناس بالصدق و اليقين فاعمل، و إن لم تستطع فإن الصبر على ما تكره خيرا كثيرا. و اعلم أن النصرة بالصبر و الفرج مع الكرب، و أن مع العسر يسرا»[١] فينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة لقلبه و شعاره و دثاره و حديثه، فيعمل به في جميع حركاته و سكناته حتى يسلم في الدنيا و الآخرة و يجد العزة فيهما، برحمة اللّه عزّ و جلّ.
[١] - رواه الترمذي( ٤/ ٦٦٧)، و الحاكم في المستدرك( ٣/ ٦٢٣)، و الضياء في المختارة( ١٠/ ٢٤)، و أحمد في المسند( ١/ ٢٩٣).