سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٩٦ - مقدمة المؤلف
قلت: مخاطة في دلقي تحت إبطي فأمر بدلقي ففتق فوجد فيه أربعون دينارا، فقال لي: ما حملك على هذا الاعتراف، قلت: إن أمي عاهدتني على الصدق و أنا لا أخون عهدها. فبكى و قال: أنت لم تخن عهد أمك و إني إلى اليوم كذا و كذا سنة أخون عهد ربي فتاب على يدي فقال له أصحابه: أنت مقدمنا في قطع الطريق و أنت الآن مقدمنا في التوبة فتابوا كلهم على يدي وردوا على القافلة ما أخذوه منهم فهم أول من تاب على يدي. و قيل له رضي اللّه عنه: متى علمت إنك ولي اللّه تعالى، قال: كنت و أنا ابن عشر سنين في بلدنا أخرج من دارنا و أذهب إلى المكتب فأرى الملائكة : تمشي حولي فإذا وصلت إلى المكتب سمعت الملائكة يقولون افسحوا لولي اللّه حتى يجلس فمر بنا يوما رجل ما عرفته يومئذ فسمع الملائكة يقولون ذلك فقال لأحدهم: ما هذا الصبي، فقال له أحدهم: هذا من بيت الأشراف، قال:
سيكون لهذا شأن عظيم هذا يعطي فلا يمنع و يمكن فلا يحجب و يقرب فلا يمكر به، ثم عرفت ذلك الرجل بعد أربعين سنة فإذا هو من إبدال ذلك الوقت، و قال رضي اللّه عنه: كنت صغيرا في أهلي كلما هممت أن ألعب مع الصبيان أسمع قائلا يقول لي:
إلي يا مبارك فأهرب فزعا منه و ألقي نفسي في حجر أمي و إني لا أسمع الآن هذا في خلواتي.
و قال الشيخ طلحة بن مظفر العلثمي: قال شيخنا عبد القادر رضي اللّه عنه:
أقمت ببغداد عشرين يوما ما أجد ما أقتات به و لا أجد مباحا فخرجت إلى إيوان كسرى أطلب مباحا فوجدت هناك سبعين رجلا من الأولياء كلهم يطلبون، فقلت:
ليس من المروءة أن أزاحمهم، فرجعت إلى بغداد فلقيني رجل لا أعرفه من أهل بلدي فأعطاني قراضة و قال: هذه بعثت بها أمك إليك معي فأخذت منها قطعة تركتها لنفسي و أسرعت بالباقي إلى خراب الإيوان و فرقت القراضة على أولئك السبعين، فقالوا: ما هذا، قلت: إنه قد جاءني هذا من عند أمي و ما رأيت أن أختص به دونكم ثم رجعت إلى بغداد و اشتريت بالقطعة التي معي طعاما و ناديت الفقراء فأكلنا جميعا.
و قال أبو بكر التيمي: سمعت سيدنا الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه يقول:
بلغت بي الضائقة في غلاء نزل ببغداد إلى أن بقيت أياما لا آكل فيها طعاما بل كنت أتتبع منبوذات أطعمها فخرجت يوما من شدة الجوع إلى الشط لعلي أجد ورق الخس و البقل و غير ذلك من المنبوذات أتقوت به فما ذهبت إلى موضع إلا وجدت غيري قد سبقني إليه، و إن أدركت شيئا وجدت جماعة من الفقراء و لا أستحسن مزاحمتهم عليه