سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٥١ - الباب الثاني في حاله و طريقته
و من كلام العارف أبي سليمان الداراني رضي اللّه عنه: القلب بمنزلة القبة المضروبة حولها أبواب مغلقة فأي باب فتح له فيه عمل فقد ظهر انفتاح باب من أبواب القلب إلى جهة الملكوت و الملأ الأعلى، و ينفتح ذلك الباب بالمجاهدة و الورع.
قلت: فالعمل لا يتأتى إلا بالعلم و هي الشريعة و المجاهدة و الورع في كلام الداراني هي الطريقة، و الانفتاح هي الحقيقة و ذكر حجة الإسلام حديثا عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لو لا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء»، و هو إشارة منه صلى اللّه عليه و سلم إلى أن احتجاب القلوب عن تنويرها و اتصالها بالمراتب الملكوتية سببه اتباع الشيطان في صده بني آدم عن اتباع الشريعة.
حكي أن الإمام أحمد بن حنبل قال يوما لابن أبي الحواري تلميذ الداراني:
حدّثنا بشيء سمعته من أستاذك أبي سليمان؛ قال: سمعته يقول إذا عقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت، و عادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمية من غير أن يؤدي إليها عالم علما، فقام الإمام أحمد و قعد ثلاثا، و قال: ما سمعت حكاية أعجب إليّ من هذه، ثم ذكر الحديث: «من عمل بما يعلم ورثه اللّه علم ما لم يعلم». اه.
فترك الآثام هو الشريعة و عقد النفوس عليه هو الطريقة و الجولان في الملكوت و العود [٢٥/ ق] بطرائف الحكمة هو الحقيقة، و بعضهم يجعل الشريعة و الطريقة قسما واحدا، و يقول: هما مرتبتان شريعة و حقيقة كما عليه متن الرسالة القشيرية و لا وقفه في ذلك؛ لأنه لا خلاف لفظي فهو إجمال للتفصيل المتقدم و عليه قولهم الشريعة تبين الحقيقة تمكين و الشريعة أن تعبده، و الحقيقة أن تشهده، و الشريعة بداية، و الحقيقة نهاية و نحو ذلك. و مال المعنى في التقسيمين متحد.
كنت سألت أستاذنا العلامة العارف سيدي محمد بن أبي القاسم الشريف بارك اللّه في عمره عن قول جماعة من الأولياء: إنهم يصعدون إلى السماء مع قول الفقهاء إن ادعاء ذلك ردة فأجاب: بأنه صعود بالروح لا بالجسم و هو غير الصعود المنامي الذي هو للعامة بل هذا يقظة يكون للخاصة، و ذلك أن الروح هنا في الدنيا كامنة في الجسم، فهي مثقلة بالجسم الترابي و في الآخر ينعكس الأمر فيكون الجسم كامنا في الروح، و لذلك تكون في الآخرة الغلبة للروح على الجسم، فالكاملون من الأولياء يقع لهم في الدنيا ما يقع للناس في الآخرة من غلبة أرواحهم على أجسامهم حتى يحصل