سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٥٣ - الباب الثاني في حاله و طريقته
مرض فلم تعده، أما علمت إنك لوعدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك و أنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم استقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك و أنت رب العالمين، قال:
استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي»[١]. اه. و اللفظ لصحيح مسلم.
قال ابن العربي: هذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه و ترغيبا لمن خوطب. اه.
و قوله: خلقت الملائكة من نور الإنسان، و خلقت الإنسان من نوري، الإنسان هو النبي صلى اللّه عليه و سلم، فالعالم كله من نوره، و هو من نور اللّه كما هو مشهور في غير كتاب.
و قوله: جعلت الإنسان مطيتي، و جعلت سائر الأكوان مطية له، أما كون الإنسان مطيته تبارك و تعالى، فإن الإنسان خادم للّه حامل للعلوم و ما يقرب إلى اللّه تعالى راتع في أرض اللّه آكل من رزق اللّه، وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذاريات: الآية ٥٦]. و الإضافة تسوغ لأدنى ملابسة، و في القرآن العظيم ناقَةُ اللَّهِ [الأعراف: الآية ٧٣]، و في الحديث: «يا خيل اللّه اركبي» [٢٦/ ق]، و أما كون الأكوان مطية الإنسان فظاهر لقوله تعالى: أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ [لقمان: الآية ٢٠]، و قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها [الملك: الآية ١٥] الآية و غير ذلك من الآيات الكريمة.
و في خبر إلهي عن موسى ٧: (أن اللّه أنزل في التوراة، يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك و خلقتك من أجلي، فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك). و قال الفذ الشهير عالم الأمراء و أمير العلماء سيدنا عبد القادر بن محيي الدين الجزائري الشامي مهاجرا قدس سره في كتابه المواقف الروحية ما نصه:
قال لي سيدي محيي الدين يعني ابن عربي رضي اللّه عنه في واقعة من الوقائع:
إن اللّه خلق الإنسان الكامل له ليظهر به تعالى و خلق العالم للإنسان الكامل ليظهر به:
[١] - رواه مسلم في صحيحه( ٤/ ١٩٩٠)، و ابن حبان في صحيحه( ١/ ٥٠٣)، و البيهقي في شعب الإيمان( ٦/ ٥٣٤).