سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٩٤ - مقدمة المؤلف
لباس العلماء و يتطيلس و يركب البغلة و ترفع الغاشية بين يديه و يتكلم على كرسي عال و كان في كلامه سرعة و جهر و له كلمة مسموعة إذا أنصت له و إذا أمر ابتدر لأمره و إذا رآه القلب القاسي خشع.
و قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه الشيخ محيي السنة و الدين عبد القادر بن أبي صالح أبو محمد الجيلي دخل بغداد فسمع الحديث و اشتغل به حتى يرع فيه إلى أن قال و كان له اليد الطولى في الحديث و الفقه و الوعظ و علوم الحقائق و كان له صمت حسن و صمت عن غير الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فإنه كان يأمر بالمعروف و ينهي عن المنكر للخلفاء و الوزراء و السلاطين و القضاة و الخاصة و العامة يصدعهم بذلك على رؤوس الأشهاد و رؤوس المنابر و في المحافل و ينكر على من يولي الظلمة و لا يأخذه في اللّه لومة لائم و كان فيه زهد كثير و له أحوال خارقات للعادات و مكاشفات و بالجملة كان من سادات المشايخ الكبار قدس اللّه سرّه و نور ضريحه انتهى كلامه ملخصا.
و كان رضي اللّه عنه يأمر كل ليلة بمد السماط و يأكل مع الأضياف و يجالس الضعفاء و يصبر على طلبة العلم لا يظن جليسه أن أحدا أكرم عليه منه و يتفقد من غاب من أصحابه و يسأل عن شأنهم و يحفظ و دهم و يعفو عن سيئاتهم و يصدق من حلف له و يخفي علمه فيه، و كان له حنطة مرباة من الحلال بيد بعض أصحابه من الرستاق يزرعها له كل سنة و كان بعض أصحابه يطحنها و يخبز له منها أربعة أقراص أو خمسة و يأتي بها إليه آخر النهار فكان رضي اللّه عنه يفرق منها على من حضره كسرة كسرة و الباقي يدخره لنفسه و كان غلامه مظفر يقف على باب داره و الطبق فيه الخبز على يده و يقول من يريد الخبز من يريد العشاء من يريد المبيت و إذا أهديت إليه هدية فرقها أو بعضها على من حضره و يكافىء عليها مهديها و كان يقبل النذر و يأكل منه رضي اللّه عنه.
قال العلامة ابن النجار في تاريخه، قال الجبائي، قال لي الشيخ عبد القادر فتشت الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام و لا أشرف من الخلق الحسن أو دلو كانت الدنيا بيدي أطعمها الجائع و قال قال لي: كفى مثقوبة لا تضبط شيئا لو جاءني ألف دينار لم تبت عندي. و قال أحمد بن المبارك المرفعاني و كان من جملة من يتفقه على الشيخ عبد القادر رجل أعجمي اسمه أبي و كان بعيد الخاطر بعيد الذهن لا يكاد يفهم الشيء إلا بعد تعب و مشقة فبينا هو بعض الأيام