التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧ - ما هي الحياة؟
ما هي الحياة؟
الحياة باقية، و قد استمرّت بعد العصور الاولى و العصور الجيولوجية.
و ظهرت قارات و غرقت اخرى، و أنّ المحيطات العتيقة و البحار الضحلة لتزخر كلّها بالحياة، و أنّ الحياة لتسبر غورها و تتخلّل الأمواج المتلاطمة و تنفذ في رمال كلّ شاطئ.
و قد مضت الحياة قدما حيث تراجع كلّ عصر من عصور الجليد، و قاومت كلّ تقدّم للمناطق الباردة، قوية مظفرة. و قد ارتفعت الجبال من الأرض ذات الغضون، و انشقّ السطح و اهتزّ مع كلّ زلزال. و تفتّتت قمم الجبال الشاهقة خلال ملايين السنين، و بان أثر ذلك في طبقات بعضها فوق بعض، و غمر ماء البحار قارّات، و صار غرين (طمي) الأراضي القديمة يغطّي قاع كلّ محيط و كأنه كفن.
و لكن استمرّت الحياة بعد ذلك كلّه! و الحياة تستخدم ذرّات الأرض، و تخلق عجائب جديدة طبقا لقوانين الكون، و لكنّها في تقدّمها تخلّف وراءها كلّ صغيرة لمستها. و أنّ «صخور دوفر البيضاء» المكوّنة من الطباشير و الجير و الحجر الصوان لتقصّ علينا قصّة الحيوانات الرخوة و النباتات المائية و المخلوقات البحرية التي لا عدد لها في خلال الدهور. و أنّ الغابات الحيّة و الفحم و الزيت و الغاز لتدلّنا على نشاط العالم القديم الذي تلقّت فيه الحياة طاقة الشمس، و أحالها الإنسان نارا. و أنّ هذه التركة لتفوق في قيمتها كلّ ثروة اخرى، لأنّها رفعت الإنسان عن مرتبة الحيوان. و من بين أتون بدايات القشرة الأرضية، حيث كانت كلّ مادة تستحيل جمرة أو رمادا، استخدمت الحياة طاقة الشمس، و مزّقت ذرّات الماء المتّحدة، و فصلت الكربون البليد من الاوكسيجين و حوّلته إلى ثاني اوكسيد الكربون، و خزنت في الأرض و فوق