التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - هل القرآن مشتمل على جميع العلوم؟!
أمّا الآيات الكريمة التي استندوا إليها فهي على نمطين:
الأول: ما كان المقصود من الكتاب المذكور فيها هو القرآن، غير أنّ المقصود:
تبيان كلّ أمر يمسّ شئون الدين و أحكام الشريعة الغرّاء.
إذ قوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[١]، يعني: تبيانا لكلّ شيء يمسّ أمر الشريعة. قال الطبرسي: و معناه: ليبيّن كلّ شيء يحتاج إليه من امور الشرع. فإنّه ما من شيء يحتاج الخلق إليه في أمر من امور دينهم إلّا و هو مبيّن في الكتاب، إمّا بالتنصيص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي صلّى اللّه عليه و آله و الحجج القائمين مقامه أو إجماع الامّة. فيكون حكم الجميع في الحاصل مستفادا من القرآن[٢].
فالحاصل: أنّ اصول المعارف و مباني أحكام الشريعة كلّها مذكورة في القرآن، هذا لا شكّ فيه، و لا بدّ أن يكون كذلك، لا أكثر و لا أقلّ.
و ذلك، لأنّ القائل- الذي تعهّد هذا البيان- هو الشارع فلا بدّ أن يكون مما يمسّ جانب الشرع لا غير .. و الروايات بهذا الشأن كثيرة[٣].
و هذا نظير ما إذا تعهّد طبيب حاذق بأنّه كتب رسالة جمع فيها ما يحتاج إليه الناس و أطلق الكلام، فإنّ المنصرف من كلامه هذا و المستفاد منه ليس سوى الامور الراجعة الى الصحّة و المرض و الأدوية و الأدواء لا غير، لأنّه هو المستفاد المنصرف إليه كلام مثل الطبيب ... و هكذا الفقيه البارع و غيره من ذوي الاختصاص إنّما تعود تعهّداتهم الى جانب تخصّصاتهم، و لا يتعدّاها في شيء.
و كذا قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[٤] لو كان المراد هو القرآن. أمّا لو كان المقصود هو اللوح المحفوظ- كما قيل- فشأنه خارج عن مورد البحث[٥].
[١] النحل: ٨٩.
[٢] مجمع البيان: ج ٦ ص ٣٨٠.
[٣] راجع الميزان: ج ١٢ ص ٣٥٠.
[٤] الأنعام: ٣٨.
[٥] مجمع البيان: ج ٤ ص ٢٩٨.