التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤١ - المثل الأعلى في الإسلام
فهل تقصر دعوة ابن الصحراء العربي، أو الرسول الى العالم كافّة، في مخاطبته ضمائر الناس من قومه السابقين و الإنسانية جمعاء من اللاحقين، عن دعوة المسيح الرقيقة!! لقد كان يتيما فقيرا عائلا حرمته الأيّام حنان أعزّ الأقربين إليه في طفولته، و تمزّقت نياط قلبه في صباه، ثمّ اعتصره الألم و الحسرة على ضلالة قومه في رجولته. و كان عليه أن يقارع الجهالة و الحقد و عمى البصيرة طوال حياته، و مع هذا تدفّق من قلبه ذلك الينبوع الصافي فسمت إنسانيته، و هبط عليه وحي ربّه يهديه ليهدي غيره، و يدلّه على صراط سويّ ترتفع به النفس البشرية من مسارب العالم المادّي الى عالم الروح و إن كانت تظلّ تنظر الى وجودها الأصيل في عالم المادّة.
هكذا كان نبيّ الاسلام، و هكذا كانت رسالته، رسالة نور و هداية للعقل البشري في مختلف الحقب و العصور.
رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ[١].
و هل أغفلهم ربّهم؟ أنّه:
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ[٢].
فيما أيّها المؤمنون اتلوا مع رسولكم:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ
[١] آل عمران: ١٩٤
[٢] آل عمران