التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٣ - المثل الأعلى في الإسلام
و بعد، فإنّنا نرى ضدّ كلّ هذه السخافات التي كانت سائدة طول عصور و التي ظلّت مستحكمة البنيان ذلك العهد كان هدف نبيّ الإسلام في حياته موجّها و مركّزا على اسس قويمة يدعمها العقل و الفطرة السليمة. فهو إذ يخاطب الناس يخاطبهم بحقّ، و هو متأثّر باتصال وثيق مع اللّه، اللّه الذي خلق الكون جملة و تفصيلا. و لم يحد محمّد صلّى اللّه عليه و آله عن طريق العقل الرشيد. و رغم قيام عبدة الأوثان- من أبناء القبائل العربية من جهة، و أتباع المسيحية و اليهودية الممسوختين من جهة اخرى- بمحاولة إغرائه، فقد ظلّ يخاطبهم حتّى جعلهم يخجلون من فظاعة معتقداتهم.
و هكذا، فإنّ نبي الإسلام- الذي كان يسمّى بحقّ «سيّد القائلين» و «سيّد المرسلين» و الداعي الى وحدانية اللّه- قد صمد، كما يحدّثنا التاريخ، في صراع نبيل واجهته به أوّل الأمر، ثمّ فرضته عليه بعد ذلك محاولات الإنسان الرجعية الرامية الى إشراك مخلوقات اخرى مع خالق الكون. غير أنّ الدعوة قد غلبت الجميع، و ظهر الدين كلّه على الشرك كلّه. فقد جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كارِهُونَ[١].
و ليس أوضح و لا أجزم من الآيات التالية التي وردت في القرآن الكريم في تفسير وحدانية اللّه إنّه يقول:
وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ* إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ[٢].
[١] التوبة: ٤٨.
[٢] الرعد: ١٢- ١٦.