التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - لمحة خاطفة عن بناية التشريع الإسلامي في ضوء النظرية القرآنية
القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا، و إلههم واحد! و نبيّهم واحد! و كتابهم واحد! أ فأمرهم اللّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى؟! أم أنزل اللّه دينا تامّا فقصّر الرسول صلّى اللّه عليه و آله عن تبليغه و أدائه؟ و اللّه سبحانه و تعالى يقول: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[١]. و فيه تبيان لكلّ شيء و ذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا، و أنه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه: وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً[٢].
و
قال عليه السّلام في موضع آخر: ألا و إنّ فيه علم ما يأتي، و الحديث عن الماضي، و دواء دائكم، و نظم أمركم[٣].
و هنا لا بدّ من التنبيه الى أنّ القرآن الكريم قد خوّل النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و آله ليس فقط وظيفة البيان و التبيين لآيات الكتاب العزيز و أحكام القرآن المجيد كما نصّ في قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[٤]، و إنّما خوّله أيضا بما أوحى إليه و بما علّمه و هداه «التشريع»، كما صرّحت الآية المباركة: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[٥].
و هنا لا بدّ أن نفترض أنّ وقت النبيّ الأكرم لم يكن يسعه لبيان كلّ الأحكام و التشريعات لمجموع الناس و عامّتهم، و لذا اختصّ بهذا الأمر من هو منه[٦]، يبلّغ عنه- أعني عليّ بن أبي طالب عليه السّلام- لينهض بهذه المسئولية، و يكمل هذا الدور.
و لدينا على الأمر شواهد و أدلّة و أرقام كثيرة نورد منها ما يعزّز هذا الرأي و يدعمه.
[١] الأنعام: ٣٨.
[٢] النساء: ٨٢.
[٣] نهج البلاغة الخطبة رقم ١٥٨: ضبط الدكتور صبحي الصالح.
[٤] النحل: ٤٤.
[٥] الحشر: ٧.
[٦] راجع مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج ١ ص ٣( طبعة دار صادر. في قصة تبليغ سورة براءة) و راجع الكشّاف للزمخشري: ج ٢ ص ٢٤٢، و الرواية في صحيح الترمذي: ج ٥ ص ٥٩٤.