التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٠ - لمحة خاطفة عن بناية التشريع الإسلامي في ضوء النظرية القرآنية
و من هنا يتّضح لدينا أنّ القرآن الكريم قد تكفّل بتقديم الحلو و المعالجات لسائر الشئون الانسانية، و في مختلف المجالات، و أن هذه تغطي المساحة الكبيرة و الأساسية للتشريع الإسلامي.
و مصدر استكشاف هذا النوع من التشريعات هو الرجوع الى القرآن الكريم مباشرة أو الى سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله أو الى خلفائه المعصومين الذين يمثّلون امتداده التشريعي»[١].
و ممّا لا شكّ فيه أنّ الحاجة الى منهج في التفكير لضبط العمليات و الأنشطة العقلية المتنوّعة أمر على غاية من الأهمّية و الخطورة، ليس على مستوى تجنيب الانسان حالة التخبّط و الفوضى و الاضطراب فحسب- و هذا أمر يشكّل مرتكزا مهمّا في أيّ بناء حضاريّ- و إنّما لما لذلك المنهج من دور خطير أيضا ينعكس على ضبط الفعاليات الاجتماعية و الأنشطة الاخرى، و له انعكاساته الجدّية أيضا على المسيرة العلمية و التطوّرية باتجاه الترقّي و البناء (عمارة الكون) و من هنا كان اهتمام القرآن جدّيا و أساسيا في دعوة الانسان الى امتلاك منهج صحيح و سليم في التفكير.
إنّ هذا الأمر لا يطرحه القرآن على أنّه موعظة، بل هو يجعل التفكير فريضة على كلّ مسلم. فامتلاك منهج التفكير الصحيح و الوصول الى الحقائق لم يوكله القرآن الى نخبة أو الى طبقة معيّنة- كما حصل مثل هذا في عملية استنباط الحكم الشرعي، إذ أوكل العملية في هذا المجال الى المتخصّصين من الفقهاء. و في هذا قيمة حضارية و هي احترام ذوي الاختصاص- و إنّما جعل مهمّة التفكير الفلسفي و امتلاك المنهج وظيفة كلّ فرد على التعيين. و القرآن هنا و إن قرّر ذلك و أكّده مرارا إلّا أنه لم يترك الانسان نهبا للمناهج غير السليمة أو المنحرفة تتناهبه ذات
[١] مصدر التشريع للسيد الهاشمي: ٧٠.