التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - ٣ - غيب المستقبل
وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً* ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ* كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً* سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً* إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ* فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ* إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ* سَأُصْلِيهِ سَقَرَ[١].
و بشأن أبي جهل:
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى* عَبْداً إِذا صَلَّى* أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى* أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى* أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى* أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى* كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ* ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ* فَلْيَدْعُ نادِيَهُ* سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ[٢].
فلو لم يكن ذلك من علّام الغيوب- المحيط بالماضي و الحال و المستقبل- لما صحّ ذلك في ما أخبر به. بل لما كان من عاقل البشر أن يضع مصير دعوته على شيء معيّن يحتمل خلافه. فلو كان آمن واحد من هؤلاء الثلاثة الذين دمغهم القرآن بالكفر و الشقاق المخلّد ذكره في زمرة الأشقياء لانطفأت شعلة الإسلام و قامت الحجّة على القرآن و من جاء به. مثلا لو آمن أبو لهب لما كان لقوله تعالى: سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ منصرف و لا واقع مفهوم، و لأصبحت هذه الآية- مثلا- في واد و الواقع في واد آخر.
قال الدكتور مصطفى مسلم: و كيف كان محمّد صلّى اللّه عليه و آله يقابل الناس بها، و قد أصبح أبو لهب من الصحابة كعمر بن الخطّاب و أحزابه من الّذين كان لهم موقف معاد للاسلام قبل أن يدخلوا فيه[٣].
هذه معجزة القرآن الباهرة، و أيّ معجزة أبهر و أقهر من أمر لا يكلّف صاحبه أكثر من كلمة يقولها بلسانه، فيبطل بها قول محمّد صلّى اللّه عليه و آله و يفسد أمره جميعه، ثمّ لا يقول تلك الكلمة، و لا تسمح له الحياة أن يقولها. فقد عاجلته المنيّة قبل يوم الفتح
[١] المدّثّر: ١١- ٢٦.
[٢] العلق: ٩- ١٨.
[٣] انظر مباحث في إعجاز القرآن ص ٢٤٧- ٢٦٥ ط جدّة.