التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٥ - نظرة الأطباء القدامى
عروق هناك، لئلّا يتغيّر عن التعدّل الذي أفاده الدماغ، فلا يتبخّر بالحرارة كرّة اخرى. فاذا نزلت من هناك حتى وصلت الى قرب الانثيين صادف هناك عروقا واصلة من الكليتين الى الانثيين، و تلك العروق مملوءة من الدم، فتتسخّن في الكليتين و تعدل، فيحيله ذلك النازل من الدماغ الى مشابهه بعض الاستحالة، ثمّ ينفذ بعد ذلك الى الانثيين، و يكمل فيهما تعدّله و بياضه و نضجه، و منهما يندفع الى أوعيته[١].
و نقل المجلسي قدس سرّه عن الحكيم (ارسطو) و جماعة من الحكماء: أنّه ليس للمرأة منيّ- بهذا الوصف المعروف- و إنّما تنفصل من مبيضها رطوبة شبيهة بالمنيّ، و قد يطلق عليها اسم المنيّ مجازا بالتشبيه (و هو ماء أصفر رقيق أشبه بدم الاستحاضة القليلة). قالوا: و اذا امتزج منيّ الرجل بتلك الرطوبة تتولّد منه مادّة الجنين. و منيّ الرجل هو العاقد و الفاعل، و رطوبة المرأة هي المنعقدة و المنفعلة[٢].
و هذا الذي ذكره حكماء القديم و الحديث هو الذي دلّت عليه الآيات و صريح الروايات، و لنذكر نماذج منها:
*** قال تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ* أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ[٣] فالذي يخلق هو الذي يمنى كما في قوله: أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى[٤] و هذا الى جنب قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ* أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ[٥] يدلّ بوضوح على أنّ الرجل هو باذر نطفة الجنين التي يتكوّن منها، و إنّما المرأة أرض صالحة لهذا الإنبات و الإيلاد، كما قال: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ[٦]. نعم يجب أن لا ينسى ما لمواد الأرض الصالحة و أملاحها الحظّ الأوفى في تنمية
[١] بنقل العلّامة المجلسي في بحار الأنوار: ج ٥٧ ص ٣٩٠ من كتاب السماء و العالم.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥٧ ص ٣٦٨.
[٣] الواقعة: ٥٨ و ٥٩.
[٤] القيامة: ٣٧.
[٥] الواقعة: ٦٣ و ٦٤.
[٦] البقرة: ٢٢٣.