التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٩ - ١ - غيب الماضي
و محمّد صلّى اللّه عليه و آله الفرع؟! لذا كانت تهمتهم هذه اعترافا منهم بأنّ هذه الأنباء لا يمكن أن يأتي بها محمّد صلّى اللّه عليه و آله من عند نفسه، و لكن تمويها و تضليلا على الناس و خداعا لأنفسهم فليلصقوها بأحد من أتباعه أو سائر آحاد الناس، و رواجا لفريتهم هذه ليكن ذلك المملى شخصا غريبا عن قريش، لعلّ في ذلك زيادة تضليل و تمويه.
فليكن صهيب الرومي أو سلمان الفارسي أو بلعام الرومي و كان قينا بمكّة نصرانيا، أو عبد لبني الحضرمي يقال له: يعيش أو عائش أسلم و حسن إسلامه، أو غلامين نصرانيّين كانا في الجاهلية من أهل عين تمر اسم أحدهما يسار و الآخر خير. كانا صيقلين بمكّة يقرءان كتابا لهما بلسانهم، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ربّما مرّ بهما و استمع لقراءتهما، قالوا إنّما يتعلّم منهما[١].
الأمر الذي تولّى القرآن الردّ عليه بقوله تعالى:
وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً* وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا* قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً[٢].
وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ[٣].
يقول الإمام الرازي- بشأن دلالة القصّة على صدق الرسالة-: إنّ دلالتها من وجهين:
أحدهما: كما قال تعالى في سورة الشعراء بعد ذكر القصص: وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ[٤].
وجه الاستدلال أنّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا لم يتعلّم علما و لم يقرأ كتابا و لم يتلمذ لاستاذ استحال منه عادة دراية هذه القصص إلّا عن وحي اللّه و تنزيله.
[١] راجع مجمع البيان: ج ٦ ص ٣٨٦.
[٢] الفرقان: ٤- ٦.
[٣] النحل: ١٠٣.
[٤] الشعراء: ١٩٢- ١٩٤.