التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - الماء أصل الحياة
بخاريّ القوام، فلمّا بردت برد معها ذلك الغلاف البخاري و استحال ماء. كذلك تقلّصت الأرض عند ما أخذت تبرد تدرّجا، فتجعّد سطحها، كجلد تفّاحة جفّت و انضمرت. و في الأغوار المنخفضة تجمّع الماء و انتهى الأمر بأن أصبحت الأرض كرّة من يابس و ماء.
لقد اقتضى التطوّر- حتى بعد أن بلغت الأرض هذا المبلغ من التنشّؤ- أزمانا متطاولة، بل موغلة في التطاول، قبل أن يظهر على سطحها شيء من الكائنات الحيّة، (و في الماء أخذت الحياة تتأصّل).
أمّا تفصيل الأدوار التي مضت فيها الأرض حتى أصبحت بيئة صالحة للحياة فمن اختصاص علم الجيولوجية. و من ثمّ يبدأ علم الأحافير يؤدّي رسالة ثالثة.
عند ما بلغت الأرض من التطوّر مبلغا يسمح بظهور الحياة دبّت فيها تلك النسمة العجيبة، و لقد تركت الكائنات الحيّة الاولى آثارها منطبعة في الصخور أو في صور احفورية. و لقد سمّيت هذه الآثار بالأحافير (واحدتها: احفورة)، لأنّها تحتفر من الأرض.
خلّف الأحياء آثارا في صورة أجزاء من نبات و أصداف و حشرات و أسماك و عظام و طبعات أقدام لطيور أو ذوات أربع، و من مجموع هذه الآثار يؤلّف علم الأحافير مدوّنة العصور الخالية.
حتى منتصف القرن الماضي كان المعتقد أنّ كلّ نوع من الأنواع الحيّة قد خلق مستقلّا، و أنّ خلق الانسان كان النهاية التي توّجت أعمال الخلق، و ينبني على هذا أنّ الأنواع ثابتة لا تتغيّر و لا تتطوّر.
في سنة ١٨٥٩ م أظهر «داروين» خطأ هذه العقيدة، و أنّ الأنواع المختلفة- نباتا كانت أم حيوانا و معها الانسان- إنّما نشأت تدرّجا من طريق الاحتفاظ