التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٠ - إرث الجنين التناسلي من الام
أمّا عن الأمراض الوراثية فلا يمكن حصرها و تعدادها، و لكنّنا نؤكّد ما أكّده العلم الحديث من أنّ الجنين يحمل صفات الوالدين و صفات العائلة، و أنّ وضعه الصحّي يتأثّر بهذه الصفات ... و الأمراض الوراثية في معظمها هي الأمراض التي لا يمكن معالجتها بالوسائل الطبّية المتعارف عليها مثل: الهيموفيليا «صعوبة تخثّر الدم».
و في بعض الأحيان هناك من ينحدر مريضا من أب سليم. و الجواب على ذلك: أنّ السبب في مرض الأجداد السابقين- كما رأينا فيما سبق الخنزير البرّي الأبيض- قد ينشأ في ثالث دور من التناسل من أبوين أسودين، راجعا إلى لون جدّه الأبيض الأول.
فالأب و الامّ و الأجداد ينقشون صفاتهم في الأولاد، و يورثونهم ما فيهم من صفات، حتّى ليرى المولود كأنّه نسخة طبعت مرّة اخرى من صحيفة لوح موجود، و قد نرى عائلات قد انتشر في أفرادها جميعا شمم الأنوف، و عائلات غيرها قد تفشّى بينهم فطس الانوف، و نرى طول القامة و ضخامتها في أفراد، و قصرها و ضآلتها في أفراد آخرين، و نرى عائلات قد انتقل فيها- نسلا بعد نسل- مرض البول السكّري، و إلى عائلات غيرها قد انتقل فيها الميل إلى الانتحار حتّى أنّ أفرادها ليتشابهون في طريقة الانتحار.
و قد رأينا أنّ بني إسرائيل قد توارثوا حبّ جمع المال ينتقل فيهم جيلا بعد جيل، و شاهدنا العرب الرحّل و قد كرهوا سكنى المدن و عرفوا بحبّ الخيام، يتوارث الأبناء منهم ذلك عن الآباء. و هذه أدلّة على أنّ الوراثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء، و أنّ هذه الوراثة جسمانية و عقلية و نفسية.
فكما تتجلّى في الجسم في خلقته و قامته و صورته و حركاته تتجلّى في العقل نموّه أو ضعفه و صحّته أو مرضه، و ذكائه أو بلاهته، و تتجلّى كذلك في النفس في صفاتها و سجاياها و غرائزها و طباعها.