التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩١ - (أولا) الدعوة الى التفكير
اليمين و ذات الشمال، بل وضع أمامه المنهج المستقيم محدّدا أبعاده و معالمه، مبيّنا عناصره و آفاقه، و كما يأتي:
(أولا) الدعوة الى التفكير:
إنّ الدعوة الى التفكير و امتلاك المنهج تأخذ بعدين في نظر القرآن الكريم.
أولهما: دعوة الانسان الى تدبّر آيات الكون و صفحات الوجود و آفاقه، و ذلك من خلال الكشف عن حقائقه المذهلة، و عرض تجليّات القدرة الخلاقة، و صور الإبداع في هندسة الوجود، و هذا يعني الحثّ على التأمّل الجدّي، و تعقّل ما وراء ذلك. قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[١]، فهنا دعوة الى النظر و الاستقصاء و التعقّل.
و البعد الثاني: إنه يحدّد وظيفة الفرد المسلم على التعيين بضرورة التفكير و يأمره صراحة بذلك. قال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ...[٢]، و قال تعالى: وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا[٣]، و قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ[٤].
و هنا النظر و التدبّر على سبيل الوجوب، و استنادا الى ذلك ذهب علماء الملّة الإسلامية الى (وجوب النظر)[٥] أي الاستدلال و تحصيل البرهان في
[١] البقرة: ١٦٤.
[٢] العنكبوت: ٢٠.
[٣] آل عمران: ١٩١.
[٤] يونس: ١٠١.
[٥] راجع: عقائد الإمامية، للامام الشيخ محمّد رضا المظفر، المطبعة الحيدرية النجف، انتشارات الشريف الرضي- قم ط ٢ سنة ١٤٠٨ ه-