التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٢ - (ثانيا) طريقة التفكير و اسلوبه
المسائل الاعتقادية.
إنّ القرآن الكريم عند ما يعرض أمامنا صفحات الكون و الوجود، و يطلعنا على الهندسة العجيبة، و على آثار قدرة اللّه تعالى المنبثة في كلّ شيء من حولنا، بل و في أنفسنا سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ...[١]، إنه عند ما يعرض أمامنا ذلك، فإنما يدعونا الى استخلاص الحقائق، و اكتشاف القوانين العامة التي تحكم الوجود، و من هنا نفهم قول الامام علي عليه السّلام أيضا «استدلوه- أي القرآن- على ربّكم»[٢].
(ثانيا) طريقة التفكير و اسلوبه:
إنّ القرآن الكريم لم يكتف بالدعوة الى اعتماد منهج سليم للتفكير، و اعتبار ذلك وظيفة الفرد المسلم فحسب، بل يضع بأيدينا أيضا الطريقة السليمة العلمية للوصول الى الحقائق و يعرّفنا- في هذا المجال و ضمن إطار الفهم العميق لأسرار الوجود- أساسيات المنهج و أبعاده، فهو منهج يقوم أول ما يقوم على البرهان الوجداني، قال تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[٣]، و قال تعالى:
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[٤].
إذا القرآن هنا يستحث الوجدان و يستنطقه، و يدعو الانسان الى القيام برحلة داخلية مع نفسه (حوار مع الذات) فيه الصراحة المتناهية. و إنّ هذا الحوار الداخلي هو الآخر يجب أن يتمّ بصيغة أسئلة يحكمها المنطق، ليكون هناك اتّساق بين الوجدان و العاطفة من جهة، و بين المنطق و العقل من جهة اخرى، أي أن يكون هناك تناغم. و القرآن هنا- كما هو في منهجه العام- يحرص دائما على عدم
[١] فصّلت: ٥٣.
[٢] نهج البلاغة: الخطبة رقم ١٧٦ ضبط الدكتور صبحي الصالح.
[٣] الزخرف: ٨٧.
[٤] العنكبوت: ٦١.