التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٦
لكن ينبغي قبل كلّ شيء أن ندرك حقائق اجتماعية و حياتية و سياسية و اقتصادية، كانت أحاطت بمسألة الرقّية في العالم المتحضّر آنذاك، و كانت سبب تأخير هذا الإعلان المرتقب بإلغائها.
يجب أن ندرك أنّ الإسلام جاء و الرقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم، بل كان عملة اقتصادية و اجتماعية متداولة، لا يستنكرها أحد، و لا يفكّر في إمكان تغييرها أحد، لذلك كان تغيير هذا النظام أو محوه أمرا يحتاج الى تدرّج شديد و زمن طويل. و قد احتاج تحريم الخمر و إبطالها الى بضع سنوات، في حين أنها كانت عادة شخصية، و ربما كان بعضهم يتعفّفون عنها، و يرون خبثها و قذارتها، بما لا يليق بذوي النفوس العالية، و الرقّ كان أعمق في كيان المجتمع و نفوس الأفراد، و لم يكن أحد يستنكره- كما أسلفنا- لذلك كان إبطاله في حاجة الى زمن أطول بكثير، ممّا لا تتّسع له حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و هي الفترة التي كان ينزل فيها الوحي بالتنظيم و التشريع، و اللّه أعلم بمن خلق و بما خلق.
فالذي قدّمه الإسلام هو تمهيد السبيل لإبطال هذا النظام رأسا، و لعلّه كان لوقت قريب لو لا عرقلة السبيل بما لا يكاد يعترف به الإسلام.
لكن تلك الخطوة التي خطاها الإسلام، كانت خطوة جريئة، و انتفاضة غريبة في وجه نظام الرقّ، بحيث لم تكن البشرية تترقّبها في مثل ذلك الوقت، و خرق للنظام الحاكم على جميع أرجاء العالم.
تلك إجابة أجابها بعض الكتّاب الإسلاميين، تبريرا لموقف الإسلام تجاه الرقّية في وقته المبكّر[١].
و إجابة اخرى لعلّها أعمق و أقطع لجذور السؤال: و هو أنّ الإسلام قد ألغى الرقّية من أساسها و التي كانت معهودة ذلك الوقت، كان استرقاق الأقوياء
[١] راجع شبهات حول الإسلام لسيد قطب: ص ٣٩.