التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٤
و بعد، فقد جاء الإسلام ليردّ على الأرقّاء إنسانيّتهم المفقودة طيلة قرون و في أوساط العالم المتمدّن يومذاك. جاء ليقول للسادة عن الأرقّاء: بعضكم من بعض، و من قتل عبدا قتلناه، و من جدع عبدا جدعناه، و من لطم عبدا اقتصصنا منه مثلا بمثل، و أن لا فضل لسيّد على عبده لمجرّد أنّ هذا سيّد و هذا عبد، أنتم بنو آدم و آدم من تراب، جاء ليقرر وحدة الأصل و وحدة المنشأ و المصير.
و إنّ السادة ليسوا أصحاب فضل حين ينفقون على عبيدهم، لأنهم جميعا في وضع واحد، في كنف اللّه و تحت حمايته، و هو رازق الجميع على سواء: السادة و العبيد.
وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ[١].
و إنّ على السادة أن يحترموا مواضع العبيد لأنهم إخوانهم في الدين و متساوون معهم في الإنسانية، فيحترموهم كما يحترموا الوالدين و الأقربين بالمعروف:
وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ بِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى وَ الْجارِ الْجُنُبِ وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً[٢].
فالإحسان بالمملوك كالإحسان بالوالدين و الجيران، من لوازم الإيمان الصادق، و كان التمرّد عن هذا القانون السماوي العادل انخراطا في حزب الشيطان و خيلاء و افتخارا بغيضا يبغضه الإسلام.
فقد أصبح الرقيق في ظلّ الحكم الإسلامي- في ذلك العهد المظلم- كائنا إنسانيا له كرامته يحميه القانون، و لا يجوز الاعتداء عليه بالقول و لا بالفعل.
فقد رفع الإسلام بالرقيق الى مستوى الاخوّة الكريمة، لا في عالم المثل
[١] النحل: ٧١.
[٢] النساء: ٣٦.