التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٤ - لمحة خاطفة عن بناية التشريع الإسلامي في ضوء النظرية القرآنية
و من هنا نجد العناية بالحقوق الخاصّة و العامّة، و إذا كان هذا ما يمكن ملاحظته و تسجيله من خلال عملية استقراء لمقاصد القرآن و أهدافه و غاياته، و ما يمكن تلمّسه بوضوح في مواد كثيرة- كما سيتّضح- فكلّ ذلك يشكّل في نظرنا الملامح العامّة لاتجاهات التقنين في القرآن الكريم.
إنّ المعالم الأساسية أو الهيكل العامّ للنظرية القرآنية يمكن تصويره كما يأتي:
يبدأ القرآن و يهتمّ أولا برسم المنهج السليم للتفكير، أي عملية التقنين تبدأ من تقنين الفعّالية العقلية و الفكرية ثمّ يتمّ التدرّج الى تقنين الفعّاليات و العلاقات في داخل الاسرة، ثمّ يتمّ التحوّل الى تقنين العلاقات في إطار المجتمع.
إنّ أهمّ ما يمكن الاعتماد عليه في شمولية هذه النظرة هو ما يأتي:
أولا: النصوص القرآنية الصريحة التي تؤكّد شمولية القرآن الكريم في معالجته لكلّ شيء، و عنايته بكلّ شيء، و عدم تفريطه بشيء من الأشياء له علاقة بالانسان، و من تلك الموارد و الآيات قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[١] و قوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[٢] و قوله تعالى:
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[٣] و قوله تعالى:
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ[٤].
فهذه النصوص صريحة في كفالة القرآن لجميع المتطلّبات، و وفائه للحاجات الإنسانية التي من أخصّها العناية بتنظيم شئون الحياة المختلفة.
ثانيا: التأكيدات التي وردت في القرآن الكريم على أنه- أي القرآن- جاء ليخرج الناس جميعا من الظلمات الى النور، و من الظلم و التظالم الى العدل
[١] الأنعام: ٣٨.
[٢] النحل: ٨٩.
[٣] هود: ١.
[٤] الأنعام: ١١٤.