التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٥ - عوامل ثلاثة لنزول المطر
الظاهرة الاولى: هي التساوي في الضغط، فلبخار الماء المتصاعد ضغط كما لبخار الهواء المتشبّع ضغط، فاذا تساوى الضغطان فالتبخّر و التكاثف يتعادلان، و في هذه الحالة يقال: إنّ الهواء مشبّع بالبخار الكافي. و المطر نتيجة لازمة لهذا التعادل.
و الظاهرة الثانية: هي اتّحاد الكهربائيّتين، فإنّ السحب ذوات تكهرب، و كلّ سحاب يحمل نوعا من نوعي الكهرباء السالبة و الموجبة، فإذا ما تقارنت السحب و اختلف نوع الكهرباء فيها تجاذبت، و إلّا تنافرت. شأن الكهرباء عموما يتجاذب نوعان منه و يتنافران من النوع الواحد.
و اجتماع السحب و تأليف بعضها مع بعض إنّما هو بفعل الرياح، تثير السحب من مكان الى مكان، فإذا جمعت الرياح بين نوعين من الكهربائية ذوات الموجبة و ذوات السالبة فعند ذلك تتجاذب بعضها الى بعض و تتقارب و تتآلف، و بذلك يحصل اللقاح الناتج للإمطار. وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ[١].
يا ترى من ذا كان يعرف هذه الظاهرة الطبيعية يومذاك؟! أن تقوم الرياح الباردة فتثير سحابا، و هي تدفع السحب المكهربة الى لقاء بعضها مع بعض، و تلقى بالسحابة السالبة التكهرب بين أذرع سحابة اخرى موجبة التكهرب، و بذلك يحدث عملية اللقاح، الناتجة للبرق و الرعد و نزول المطر الغزير، فيخصب الأرض و يمهّدها للإنبات، و هي عملية اخرى للّقاح في التربة الصالحة، بين الماء و الأرض[٢].
[١] الحجر: ٢٢.
[٢] فيكون تلقيح من نوع ثالث هذه المرّة. تلقيح بالمعنى الحرفي للآية الكريمة. فنحن أمام كلمة صادقة مجازا كما حمله المفسّرون القدامى، و صادقة حرفيا كما أثبته العلم متأخّرا. و على أيّ صورة قلّبتها فهي تصدق معك، و هي بعد كلمة جديدة و غريبة، و صفة مبتكرة حينما توصف بها الرياح!.
و هي بعد من الناحية الجمالية الايقاعية ذروة، و في النطق بها عذبة: وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ تنطقها و تلوكها في فمك، فتستوقف السمع و تطرب الاذن.
و كل هذا العلم التفصيلي في تكهرب السحاب و انتقال حبوب اللقاح لم يكن معلوما أيّام نزول الآية، فتدبّر.