التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٠ - عبادات الإسلام
التي تفعم القلب البشري، و ما كلّ هذه العواطف و الأحاسيس إلّا نتيجة لسموّ أعلى. و لهذا نرى أنّ كلّ دين فيه بعض العناصر العضوية قد عرف- بشكل أو آخر- أهمّية الصلاة و الدعاء و فعاليتهما. و يطغى العنصر اللاهوتي الغيبي على العنصر المادّي في أكثر الديانات.
فالعبادة القديمة عند الهندوس مثلا كانت مؤلّفة من مجموعتين من الأفعال:
الطهارة و القرابين، ترافقهما مجموعة معقّدة من الأدعية و الاستثارات.
أمّا الزرادشتي فكان يعيش في جوّ من الأدعية الكثيرة. فالزرادشتي الورع يكون يصلّي عند ما يعطس أو يقلّم أظفاره أو يقصّ شعره، و هو يتعبّد عند ما يعدّ وجبات طعامه سواء في الليل أو في النهار. و عند إشعال الفوانيس ... الخ[١].
و جاءت شريعة موسى، فكانت خلوا من كلّ حدود تتعلّق بموضوع الأدعية و الصلوات. أمّا واجبات الشريعة و نواهيها فهي تخصّ ضرورة دفع الأعشار الى الكهّان. و ضرورة الرزانة و الوقار أثناء تقديم نتاج الحيوان الأول للإله (أي في أول عجل تلده البقرة و أول جدي من نتاج الشاة و غيرها). و كانت لتلك الحفلة دعاء خاصّ يتضمّن الاعتراف بمتطلّبات الناموس. و كانت التقاليد و الأعراف- لعدم وجود أيّة تعليمات عن ذلك في الناموس- هي التي جعلت اليهود متأخّرا قوم صلاة و دعاء، و من ثمّ كانت مجرّد تلفظ بعبارات فارغة لا روح فيها و لا خشوع. و كان بيع بركة اللّه و المتاجرة بغفرانه على أيدي الكهّان متعارفا بين اليهود، و القرآن الكريم يوبّخ اليهود توبيخا شديدا لأنهم كانوا يبيعون آيات اللّه[٢].
و جاء المسيح عليه السّلام فكانت تعاليمه تمثّل طورا أحدث و تطوّرا في الغريزة الدينية عند الإنسان، و لذلك قدّرت طبيعة الدعاء و اعترفت بالصلاة اعترافا كاملا.
و قد كرّس جهوده على ذلك بأن جعل نفسه المثال الأول، و كان تلاميذه الأولون
[١] روح الإسلام للسيّد مير علي الهندي: ص ١٨٨.
[٢] راجع: الآية ٤١ و ٧٩ من سورة البقرة، و الآية: ٧٧ و ١٩٩ من سورة آل عمران، و التوبة:
٩، و النحل: ٩٥، و غيرها.