التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - هل وقع التحدي بالجانب العلمي؟
سياق بيان آيات اللّه و حكمه كانت مجهولة للعرب أو لجميع البشر في الغالب.
حتّى أنّ المسلمين أنفسهم كانوا يتأوّلونها و يخرّجونها عن ظواهرها لتوافق المعروف عندهم في كلّ عصر من ظواهر و تقاليد أو من نظريّات العلوم و الفنون الباطلة ..»[١] .. يعلّقون على هذا القول، بأنّ المسلمين الذين لم يعرفوا أنّ قرآنهم جاء مؤيّدا لحقائق العلوم- التي لم يوفّق إليها العلماء إلّا بعد أربعة عشر قرنا- قد حسن إيمانهم بالقرآن، و حسن انتفاعهم بأحكامه و آياته، فنشروا نوره و أقاموا دولته و نفّذوا أوامره و انتهوا بنواهيه و تأدّبوا بآدابه. في حين أنّ الذين يعرضون الآن علمهم و ذكاءهم و قدرتهم على استنباط ما يتّفق من آيات القرآن مع العلم الحديث هم أقلّ الأجيال المسلمة تأثّرا بهذا القرآن في شئون دينهم و دنياهم[٢].
و هكذا قال ابن سراقة: بعض وجوه إعجاز القرآن ما ذكر اللّه فيه من أعداد الحساب و الجمع و القسمة و ما الى ذلك، ليعلم بذلك أهل الحساب أنّه صلّى اللّه عليه و آله صادق في قوله، و أنّ القرآن ليس من عنده، إذ لم يكن ممّن خالط الفلاسفة و لا تلقّى الحساب و أهل الهندسة ..[٣].
*** يبدو أنّ الذي دعا بالقائل بعدم الشمول و اقتصار التحدّي على العرب الأوائل و في جانب بيانه فقط هي نظرته القاصرة على آيات وقع التحدّي فيها موجّها الى العرب بالذات. و لا شكّ أن تحدّيا موجّها الى العرب يومذاك لا يعني سوى جانب البيان الذي فاق أساليب العرب و أعجزهم عن أن يأتوا بمثله.
غير أنّ تحدّي القرآن لم يقتصر على فترة من الزمان و لا على امّة من الناس دون من سواهم. فنراه وجّه نداءه الصارخ الى البشريّة جمعاء في طول الزمان و عرضه، و لكلّ الأجيال و مختلف الأقوام، و ما شأنه ذلك لا يعقل اقتصاره على
[١] راجع تفسير المنار: ج ١ ص ٢١٢.
[٢] التفسير العلمي للقرآن: ص ١٣٣- ١٣٤.
[٣] الإتقان للسيوطي: ج ٦ ص ٣١.