التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٧ - تقنين الاسرة
تقنين الاسرة:
إنّ الاسرة في نظر القرآن الكريم تعدّ اللبنة المهمة في البناء الاجتماعي، و على مدى سلامتها و متانة العلاقات القائمة في داخلها يتوقّف سلامة البناء برمّته.
و لقد أشارت الآية المباركة الى هذه الحقيقة يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً ...[١] كما أشار القرآن الى أمر له مدخلية في استقامة البناء الاسري، قال تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً ...[٢]. فالسكن هنا و المودّة و الرحمة عناصر أساسية في التماسك. ثمّ لفت القرآن النظر الى أنّ الزواج- وفق قواعد الشرع- يتّسق و يتناغم مع سائر الوجودات الاخرى التي هي من بدائع صنع اللّه تعالى، فقال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ[٣]. إذ فيها تنبيه الى أنّ ظاهرة الزوجية تحكم الموجودات كلّها، و أن هذه الموجودات تجري على نواميس و قوانين لا تحيد عنها. قال تعالى: وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ[٤]. و قال تعالى: وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ[٥]. و قال تعالى:
وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[٦]. و في كلّ ذلك تنبيهات و إشارات واضحة الى تحكّم القوانين في كلّ أنحاء الوجود و أجزائه[٧]. و بناء على ذلك، فإنّ الاسرة يجب أن تتكون و تتشكّل وفق قانون، و إنها يجب أن تنضبط فعاليّاتها وفق قانون، و أن تنشأ العلاقات و تتوزّع الحقوق و الواجبات أيضا وفق قانون.
[١] النساء: ١.
[٢] الروم: ٢١.
[٣] يس: ٣٦.
[٤] الجاثية: ٢٢.
[٥] الحجر: ١٩.
[٦] يس: ٣٨.
[٧] الميزان: ج ٥ ص ٣٠، و أيضا ج ١٧ ص ٨٨- ٩١.