التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٢ - لمحة خاطفة عن بناية التشريع الإسلامي في ضوء النظرية القرآنية
و يظهر هنا أنّ القرآن الكريم قد شخّص الحقيقة الموضوعية القائلة بأنّ الانسان بصفته خاضعا لظروف الزمان و المكان، و ينبعث دائما في تقييماته و آرائه من نزعاته و أهوائه لذلك. فمن الطبيعي سيادة حالة التظالم و الخصومات و الاعتداء، كما أشار الى ذلك القرآن قائلا: قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ[١].
و استنادا الى ذلك فالإنسان عند ما يتصدّى لوضع القواعد القانونية سيكون تحت تأثير تلك النزعات و الأهواء، و من هنا اتّجه القرآن الكريم الى بيان الشريعة العامّة، و تكفّل بتحديد القواعد و المبادئ و الأحكام العادلة و الملائمة للانسان، كما نبّه الى ذلك في قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[٢]، و لقد تضمّنت تلك القواعد و الأحكام الحلول و المعالجات لإشكاليات الحياة الإنسانية، كما أنها وفت بحاجات الإنسان الروحية و المادّية على حدّ سواء.
إنّ الهدف من هذه الدراسة هو الكشف عن التصوّر القرآني العامّ- أي نظرية القرآن- في تقنين المجتمع، و ذلك بتحديد الاسس و المنطلقات التي تقوم عليها النظرية. ثمّ تبيّن الجوانب الأساسية فيها من القواعد الملزمة في نطاق الاسرة، بصفتها المجتمع المصغّر، و في ميدان الفعّاليات و العلاقات بين أفراد المجتمع.
*** إنّ القرآن الكريم في نظريته لتقنين المجتمع ينطلق أولا من حقيقة مفادها أنّ تغيير المجتمع الإنساني و تطويره باتّجاه الكمال و الرقيّ و الصلاح لا يتحقّق ما لم يتمّ تغيير المحتوى الداخلي للانسان، فكرا و نفسية و قناعات و سلوكا، و قد أشار القرآن الى ذلك بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ[٣]، و التغيير هنا أشمل و أعمّ.
[١] الأعراف: ٢٤.
[٢] الجاثية: ١٨.
[٣] الرعد: ١١.