التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٤ - عبادات الإسلام
وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[١].
و قد أعلن أنّ الصلاة دون حضور القلب لا جدوى منها، و أنّ كلمات اللّه التي وجّهها الى الناس كافة لا الى شعب بمفرده يجب أن تتمّ دراستها بالقلب و الشفتين في انسجام تامّ، و أن يصدّقه العمل الصالح في وئام. و من ثمّ اعتبر طهارة الثوب و البدن- الى جنب طهارة النفس بالوضوء و الاغتسال- و التقرّب الى رضوانه تعالى، الأمر الذي يختلف تمام الاختلاف عن الصلوات في سائر الأديان.
أمّا تشريع الصيام فقد وجد بأشكال اخر بين سائر الامم. بيد أنه يمكن القول بأنه طوال التاريخ القديم ظلّت فكرة الصيام تقوم على أساس الندم و معاقبة النفس، لا على أساس الترفّع عن مهابط المادّة، كما في الاسلام. نعم، ظلّ الميل الى قبول فكرة الصيام على أنها كبت لشهوات النفس متأخّرا، و كانت طائفة من اليهود (الاسينيّون)- نتيجة لاتّصالهم بالفيثاغوريين، و عن طريق هؤلاء اتّصلوا بزهد الشرق الأقصى و نسكه- استطاعت أن تدرك العنصر الأخلاقي في مبدأ الصيام.
كما أنّ الفكرة السائدة في المسيحية فيما يتعلّق بالصيام فكرة عامّة تعود في أصلها الى العقوبة و التكفير. و قد ظلّ التعذيب الجسدي التطوّعي يتكرّر في الكنيسة المسيحية كما هو في الكنائس الاخرى. و لكن ميل هذا الأذى كان يتّجه دائما نحو تحطيم الطاقات الجسدية و الملكات العقلية من أجل تغذية الصوفية الحالمة و الزهد الخانع الذليل[٢].
أمّا تقرير فرض الصيام في الإسلام فهو على النقيض من ذلك.
إنّ الهدف الأساسي من تشريعه هو كبح جماح الشهوات، و الترفّع لفترة معيّنة
[١] البقرة: ١٧٧.
[٢] راجع روح الإسلام لسيد مير علي: ص ١٩٦.