التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦ - كيف بدأت الحياة؟
أمما منتظمة من بلايين فوق بلايين من أمثال تلك الخلايا، و كلّ خلية هي مواطن يؤدّي نصيبه الكامل من الخدمة الخالصة في ذكاء. و هذا يختلف اختلافا بيّنا عن الجزئية المادّية العاطلة من الحياة[١].
و لكن في الاستطاعة أن نشير إلى شيء حدث منذ زمن بعيد، عند بدء الحياة على الأرض، و كان له شأن عظيم، ذلك أنّ خلية واحدة قد نمت عندها القدرة المدهشة على استخدام ضوء الشمس في حلّ مركّب كيموي، و اصطناع غذاء لها و لأخواتها من الخلايا. و لا بدّ أنّ لدّات اخريات لخلية أصيلة اخرى قد عاشت على الغذاء الذي أنتجته الخلية الاولى، و أصبحت حيوانا، في حين صارت الخلية الاولى نباتا، و النباتات التي هي نسل هذه الخلية هي التي تغذّي جميع الكائنات الحيّة الآن. فهل يمكننا أن نعتقد أنّ كون خلية قد أصبحت حيوانا و اخرى قد أصبحت نباتا إنّما حدث بطريق المصادفة؟ إنّ التوازن العجيب بين الزرع و حياة الحيوان إنّما استقرّ بهذا القسيم. و إذا عدنا إلى قصّة ثاني اوكسيد الكربون وجدنا أنّ هذا التقسيم هو أساسيّ إطلاقا بوصفه إحدى ضروريات الحياة نفسها. و لو كانت الحياة كلّها حيوانية لكانت الآن قد استنفدت الاوكسيجين. و لو كانت الحياة كلّها نباتية لكانت قد استهلكت كلّ ثاني اوكسيد الكربون. و في كلتا الحالتين كانت تنتهي هذه الحياة و تلك.
و كما ذكرنا من قبل، من المفروض أنّه في التاريخ الباكر جدّا للكرة الأرضية لم يكن بالهواء اوكسيجين مطلق، إذ كان كلّ الاوكسيجين مخزونا في قشرة الأرض و في الماء و ثاني اوكسيد الكربون. فإذا كان الأمر كذلك فإنّ كلّ
[١] قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.( المؤمنون: ١٢- ١٤).