التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - ١ - غيب الماضي
تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ* وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[١].
إنّ ورود أخبار الامم الماضية و القرون الخالية بهذا التفصيل الدقيق في القرآن الكريم لدليل على كونه وحيا من عند اللّه علّام الغيوب، و ليس من عند البشر ذي العلم القصير، و لا سيّما من مثل محمّد صلّى اللّه عليه و آله الذي نشأ في بيئة لا تمكّنه الاطّلاع على مثل هذه الامور على دقائقها و ظرائفها، ممّا لا سبيل الى العلم بها سوى التلقّي عن منبع أصيل ركين، إذ لم يكن في تلك البيئة من يعرف هذه الأنبياء على هذا الوجه الدقيق النزيه.
وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ[٢].
و ما تهمة قريش بأنّها أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا[٣] إلّا هراء عارما، و افتراء مفضوحا، جاءت على خلاف ما استيقنتها نفوسهم من امّيّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و عدم إمكان اتّصاله بذوي الثقافات الراقية في ذلك العهد، حيث إحاطتهم بأحواله في سفره و حضره و مدى علاقاته بسائر الناس.
إنّهم كانوا يحيطون علما بأحوال الرسول صلّى اللّه عليه و آله قبل البعثة، من عدم اتّصال بأحد من أهل الكتاب، و لم تكن له أسفار علمية للبحث و التنقيب عن آثار الامم.
لكنّهم مع ذلك قالوا- كذبا و زورا-: لا بدّ أنه يتعلّمها من أحد فهو يمليها عليه.
لكن من الذي اوتي علم الأولين و الآخرين حتّى يستطيع املاءها على مثل محمّد صلّى اللّه عليه و آله؟! و لما ذا لم يدع هو النبوّة بدل محمّد صلّى اللّه عليه و آله إذا كان هو الأصل
[١] القصص: ٤٤- ٤٦.
[٢] العنكبوت: ٤٨.
[٣] الفرقان: ٥.