التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٥ - القرآن في تشريعاته الراقية
و الذي نجده في قوانين الشريعة التي عرضها القرآن: أنّ لأولياء الدم حقّ مطالبة القصاص، و لكن لا في جفاء وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً[١]. و له العفو عن القصاص تنازلا الى الدية، و هذا تخفيف من اللّه و رحمة بالعباد.
و النكتة هنا أنه تعالى جعل العفو منسوبا الى الأخ، و قد عبّر عن وليّ الدم- و هو الثائر بأحاسيسه دفاعا عن حقّ المقتول- بالأخ الكريم، إثارة لعواطفه الانسانية النبيلة، فلا يثور مثار العدوّ اللدود، و إنّما هو أخ و ابن أخ كريم. ثمّ لا يذهب عن القاتل، أنّ الذي عفا عنه إنّما هو أخوه، و إنّما عفا عنه لمكان أخوّته، فلا يجفّون بشأنه في أداء الدية إليه بإحسان. كما لا يجفو وليّ الدم في مطالبة الدية، و إنما يطالبه عن رفق و مداراة، لأنّه إنّما عفا عنه لأنه أخوه.
فهنا جاءت قضية الاخوّة الانسانية فضلا عن الاخوّة الاسلامية، هي الفاصلة في الأمر و المستدعية لانتهاء الأمر بسلام، فلا خصومة بعد ذلك و لا تجافي عن الحقوق.
و القرآن في هذا المجال كأنما أخذ موضع الحياد من القضية، و إنّما أوكلها الى جانب من حياة الانسان الرقيقة، هي جانب اخوّته و كرامته و فضيلته، فهو الذي يحدو به الى هذا المجال من الكرامة الانسانية النبيلة و إن كان القرآن هو الذي أثار فيه هذه العاطفة، و ساقه الى هذا السبيل الرشيد.
فمتى قبل وليّ الدم الدية بدل القصاص و رضيه فيجب إذا أن يطلبه بمعروف و رضا و مودّة، و يجب على القاتل أن يؤدّيه بإحسان و إجمال و إكمال، تحقيقا لصفاء القلوب، و شفاء لجراح النفوس، و تقوية لأواصر الأخوّة بين البقيّة الأحياء.
و قال بشأن اليتامى:
[١] الإسراء: ٣٣.