التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٣ - الحقوق الخاصة و الحقوق العامة
و هناك ملحظ آخر:
إنّ القرآن الكريم في سعة تدخّله بوضع اللوائح القانونية- أعني التفصيلات الوافية- في نطاق الاسرة أخذ بضرورة وضع الاحتياطات المناسبة و الضرورية في عدم ترك العلاقات بين أفراد الاسرة الواحدة عرضة للاجتهاد، فالأحكام هنا يجب أن تكون قطعية واضحة و محدّدة، كما لاحظناه في مسائل الطلاق و مسائل الإرث مثلا، و أخذ الاحتياطات هنا بلحاظ أنّ المجتمع قد ينفلت من الخضوع للقواعد و الأحكام التي أرادها الشرع، إذا كان فيها مجال للاجتهاد و التأويل، و كما وقع و يقع مثلا، في نطاق التعامل التجاري و المالي، إلّا أنّ ذلك قد لا يؤدّي الى خراب شامل، لأنّ المجتمع حينئذ قد يتعارف و يتواضع على أساليب و اصول في التعامل و إن كانت غير مشروعة في نظر الشرع. و هذا أمر لا يؤدي الى انفراط عقد المجتمع، و لا الى فوضى الحقوق و الواجبات، و هو ربما يمكن تلافيه و إصلاحه.
بينما لو قدّر أن يحدث مثل هذا الانفلات في نطاق الاسرة لأدّى ذلك الى الانهيار الشامل الذي لا اصلاح بعده، و لا استدراك لما يمكن أن ينشأ من جرائه. و من هنا نلاحظ تكرار مثل قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها[١] و نحو ذلك.
الحقوق الخاصّة و الحقوق العامّة:
يهدف القرآن الكريم- في عملية تقنين المجتمع- الى ضبط الفعّاليّات الاجتماعية المتنوّعة، سواء في نطاق التعامل المالي أو غيره، و يرمي أول ما يرمي الى الحيلولة دون نشوء حالة النزاع و الخصومة، و ذلك بإقرار الحقوق و الواجبات، كما يستفاد مثلا من قوله تعالى وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَ[٢] إذا أعطينا صفة التعميم لهذه القاعدة. و بحاكمية نفي الضرر[٣]، بمعنى أنه- أي القرآن- في الوقت
[١] البقرة: ٢٢٩.
[٢] البقرة: ٢٢٨.
[٣] راجع في حاكمية قاعدة الضرر كتاب فرائد الاصول: ص ٢٩٦ الطبعة القديمة- قم.