التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٩ - ٣ - غيب المستقبل
الوعود المستقبلة التي كانت في مجاهل الغيب- حال الواثق المتيقّن من الأمر، من غير أن يتعتع أو يتزلزل عند تلاوتها، و هو بشر لم يطّلع على كتب السالفين، و لا يملك تصرّفا في امور غائبة أو نائية في مستقبل قريب أو بعيد. و كان هو بذاته ينفي عن نفسه العلم بالغيب: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ[١]. فلو لم يكن مستندا الى ركن وثيق ما أمكنه إطلاق مثل هذا، و كان قد جازف بدعوته و عرّضها للخطر، لو كان محتملا للخلاف و لم يكن جازما بالأمر. و هذا بالإضافة الى ما عرف عنه التعقّل و الحكمة، و لم يعهد منه تسرّع في أمر أو تقوّل بلا رويّة، حتّى قبل أن يكرمه اللّه بالرسالة.
و لقد أدرك مشركو العرب هذه الحقيقة من خلال اختلاطهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و المؤمنين به، حيث صدقت الحوادث الواقعة ممّا أخبرهم به القرآن الكريم.
إنّ هذه الأنباء الصادقة التي جاء بها القرآن لدليل ظاهر و برهان قاهر على أنّه كلام ربّ العالمين، الذي يستوي عنده علم السابق و اللاحق، و لا تخفى عليه خافية. لقد ظهر صدق القرآن الكريم لكلّ ذي عينين في عشرات الحوادث التي أخبر عن وقوعها في المستقبل و وقعت بالفعل كما أخبر.
إنّ ظاهر الإخبار بالمغيّبات في القرآن الكريم و تصديق الوقائع لها و عدم تخلّف الصدق عنها في شيء لدليل على أنّه وحي ممّن خلق الأرض و السماوات العلى، أنزله على رسوله ليكون دلالة على صدق رسالته. و هذا على غرار ما أخبر به القرآن الكريم أو أشار إليه من خفايا أسرار الوجود، و قد كشفها العلم عبر العصور، دليلا على صدق هذا الكتاب الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[٢].
فعلى العلماء و أهل الاختصاص أن يعايشوا القرآن الحكيم، و يستنطقوا آياته
[١] الأعراف: ١٨٨.
[٢] فصّلت: ٤٢.