التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٠ - تقنين الاسرة
قال الأردبيلي في بيانه لمعنى الآية:
و لقد بالغ اللّه سبحانه و تعالى في التوصية لهما حيث شفّع الإحسان لهما بتوحيده تعالى ... ثمّ لم يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجّر ... ثمّ أمر بالخضوع و التذلّل لهما بقوله تعالى: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ[١].
و لم يقتصر الأمر في الإحسان و المعروف في حالة كونهما مسلمين، بل حتى لو كانا مشركين، قال تعالى: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ...[٢]. و في سورة اخرى وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً[٣]. و في الكشّاف قال في التفسير: و إن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا ثم اليّ مرجعك و مرجعهما فاجازيك على إيمانك و اجازيهما على كفرهما، علم بذلك حكم الدنيا ...[٤].
و نظرا لما يتميّز به القرآن الكريم من الواقعية و معرفة خصائص البشر و طبيعتهم، و نظرا لكونه الشريعة الخالدة لكلّ البشر في جميع الأزمان، فقد أخذ في حسابه وقوع الافتراق بين الزوجين، و أعطى هذا الأمر مشروعية في الحالات الموجبة، و لكنّه تدخّل في هذه المسألة، و وضع جملة من القواعد الملزمة و الإجراءات المناسبة، تقليصا لما ينتج عنه من آثار، و رعاية لحقّ المرأة من جهة اخرى، قال تعالى: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ[٥].
و الظاهر هنا كما يقول الأردبيلي: إنه لا بدّ من وقوع الطلاق في وقت خاصّ صالح للعدّة، و إنّ ذلك واجب و شرط الصحّة لأنها واردة لبيان تعليم الطلاق[٦]، ثمّ
[١] الإسراء: ٢٤.
[٢] العنكبوت: ٨.
[٣] لقمان: ١٥.
[٤] الكشّاف للزمخشري: ج ٣ ص ٤٩٤.
[٥] الطلاق: ١.
[٦] زبدة البيان للأردبيلي: ٥٩١.