التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢١ - المثل الأعلى في الإسلام
يهودية و فدت الى الجزيرة. و كانوا يحترمون الكتبة و الأحبار و يقدّرونهم الى حدّ تقديسهم[١]. و كان هؤلاء الأحبار ينظرون الى أنفسهم على اعتبار أنّهم صفوة الشعب و أنّهم صلة الوصل باللّه و أكثر الناس قربى من اللّه.
و بالاضافة الى ذلك، فإنّ الجماهير اليهودية لم تترك عبادة التيرافيم، و هي عبارة عن آلهة كانوا يحتفظون بها في بيوتهم، قد صنعوها على شكل بني البشر، و كانوا يستشيرون هذه الآلهة في كلّ المناسبات، على اعتبار أنّها آلهتهم الخاصّة التي تتلقى الوحي من اللّه. و لا بدّ أن تكون هذه العبادة قد تعزّزت و ارتفع شأنها عن طريق الاتّصال مع الوثنيين العرب.
و نحن نرى أنّ الفلسفة الكلدوزرادشتية قد تركت أثرها الذي لا يمحى على التقاليد اليهودية من جهة، و من جهة اخرى فقد كان أعظم مفكّريهم- حين يحاولون ادخال الاعتقاد بالعلّة الاولى الى آراء و تصانيف فلاسفة اليونان و الرومان- يشرّبون مدارس الفكر الاسكندرانية بمبادئ و أفكار لا يمكن أن تتّفق مع مذهبهم التوحيديّ الأصل.
و بالاضافة الى هؤلاء كان هنالك الهندوس مع الحشد الضخم من آلهتهم و إلاهاتهم، و الزرادشتيون مع توأم آلهتهم اللذين يتخاصمان دوما في سبيل الغلبة و السيادة.
و لن يغيب عن بالنا اليونان و الرومان و المصريون، مع هياكلهم التي تتراكم فيها الآلهة بأخلاقها التي لا ترقى الى مستوى أخلاق عبدتها المنحلّين.
هكذا كان حال العالم المتحضّر في إبّان نشر دعوة المسيح عليه السّلام.
و كان السيّد المسيح بالرغم من كلّ بشاراته و تعاليمه و اتّجاهات فكرته فإنّه
[١] اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ( التوبة: ٣١).