التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥ - كيف نشأت الحياة؟
بأنّ نواة الخليّة الحيّة ليست شيئا كيمويا عويص التركيب، و من المستطاع تركيبها ثانية اذا حلّلت، و لكنها لا تكون نواة حيّة، إذ تكون قد فقدت بين التحليل و التركيب سرّا هو سرّ الحياة، فما هو ذلك السرّ؟
لا جرم أنّ الانسان سائر من طريق العلم الى الاعتراف بالعجز، فكلّما كشف لنا عن سرّ من أسرار هذا الكون الفسيح ألفاه محوطا بكثير من الأسرار الأخر التي يعجز الفكر الانساني أزمانا طوالا دون معرفة كنهها. و ستتدرّج الانسانية في كشف المغمضات حتى تنتهي الى حدّ تتكاثف عنده ظلمات تلك الأسرار، و إذ ذاك يقف الفكر معترفا بالعجز[١].
و «التولّد الذاتي» رأي ظهر في أواسط القرن التاسع عشر نتيجة لسلسلة بحوث منظومة قام بها فحول من العلماء في القرن الثامن عشر، أو قرن «الماديّة» كما يقولون، قالوا: إنّ الانسان اذا استطاع أن يبرهن على التولّد الذاتي في الأجسام التي لا حياة فيها، تيسّر له أن يبرهن عليه في الأجسام الحيّة.
و قد يتبادر الى الأذهان أن التولّد الذاتي لزام للنشوء و الارتقاء، لو لا أنّ الحقيقة على نقيض ذلك، فإنّ التطوّر لا يبحث إلّا فيما بعد أصل الحياة من نشوء بعض الصور من بعض على مرّ الزمان، و بتأثير نواميس طبيعية، قد نعرف بعضها و قد يغيب عنّا البعض الآخر. أمّا القول بالتولّد الذاتي فقد أتى من رأي شاع في القرن الثامن عشر هو القول بقدم العالم، الذي كانت من نتيجته إنكار «علّة اولى واجبة الوجود بذاتها».
القول بقدم العالم قول تدرّج الباحثون منه الى إنكار علّة أولى واجبة الوجود بذاتها. و لأجل أن يؤيّدوا مذهبهم أرادوا أن يطبّقوه على عالم الحياة، فقالوا
[١] أصل الأنواع: ص ٢٧.