التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٨
أمّا مسألة الرقّية فلم يعترف بها الإسلام- منذ أوّل يومه- كما كانت عليه الامم حينذاك. كان العالم المتمدّن يومذاك يرى من اللون و الجنسية دليلا على الرقّية، و إنّ ذا اللون الأسود أو المتغيّر أو العائش في بلاد نائية عن الأوساط المتمدّنة إنّما خلق ليكون مملوكا للانسان الأبيض العائش في أوساط البلاد.
فالإفريقي بطبعه حرّ و خلق حرّا و ليكون سيدا مالكا، أمّا الإفريقيّ، فهو بذاته قنّ و عبد مملوك و خلق لخدمة الأحرار، و ربما لا يستحقّ إطلاق اسم الانسان عليه.
و من ثمّ كانت أفواج الإفريقيّين تساق الى بلاد حوزة البحر المتوسط، و تباع هناك بأثمان بخس. و كان الإفريقيّون يصادون كما يصاد الحيوان الوحش لأجل الاستخدام و العرض في أسواق العالم.
هكذا كان قسط كبير من عالم الانسان، يهان به و يعتبر أخسّ من الحيوان بل النبات و الجماد، فلا يعتبر إنسانا أصلا.
هكذا كان يفعل العالم المتمدّن يومذاك، و يسيء العمل بين نوعه، لا لشيء إلّا لقضية اللون و البعد عن أوساط البلاد.
الإسلام لم يعترف بهكذا استرقاق، و بهكذا عمل وحشي ملؤه الظلم و الاستكبار المقيت.
و من ثمّ نراه- في كثير من مجالات الشريعة- فتح الباب بمصراعيه أمام تحرّر المماليك بشكل مطّرد.
قام الإسلام بالتحرّر الروحي- في الأرقّاء- قبل قيامه بتحرّرهم الجسمي، فقد جعلهم متساوين مع السادة في الروح و الانسانية و سائر الحقوق، هذا أولا. ثمّ مهّد السبيل لتحرّرهم الواقعي بشتّى أنحائه الممكنة يومذاك. فقد قرّر صرف قسط كبير من الصدقات في سبيل تحرير الأرقّاء:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي