التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - كيف نشأت الحياة؟
كيف نشأت الحياة؟
ما أصل الحياة؟ و كيف نشأت في هذه الأرض؟ سؤال ورد على أذهان الباحثين في كلّ عصر من عصور التاريخ. و تجشّم كثير منهم مئونة البحث فيه، فملئوا المجلّدات الضخام ابتغاء الوصول الى معرفة ذلك السرّ الخفي، سرّ الحياة، و لكن لم يزيدوا على القول بأنّ «الحياة هي حياة» لا أكثر.
قالوا: أصل الحياة من التراب، و تدرّجوا الى القول بأنّها نتيجة اختلاط العناصر، و أيّ العناصر تلك التي تبدع الحياة؟ «فاقد الشيء لا يعطيه». لا جرم قالوا بالتولّد الذاتي- و إنّها نشأت بذاتها- و لم يثبتوه بتجربة، اللهمّ إلّا فروضا ما أنزل اللّه بها من سلطان[١].
لبث القائلون بالتولّد الذاتي على قولهم حينا من الدهر حتى قام «روسيل و ولاس» و هو من زعماء «النشوء و الارتقاء»، و نقض عليهم ذلك الرأي، إذ قال
[١] و لقد ظلّت الفكرة عن أصل الحياة و منشأها الأول شغلت فراغا واسعا من العالم القديم، و كلّما تقدّم الزمان ازداد العالم توغّلا في غياهب الجهل عن أصل هذه الحقيقة، حتى أراد« وليم طمسن» أن يخرج بالعالم من ظلمات الجهل، فقال: بأنّ الحياة هبطت الى الأرض من السماء، حملتها النيازك و الشهب و من ثمّ تكاثرت فيها.
نعم، خرج بنا إذ ذاك من ظلمات جهل بسيط الى حلكة جهل مركّب، لأن الحياة سواء أنشأت في السماء أم في الأرض فذلك لا يوصلنا الى معرفة أصلها و نشأتها. تلك شاكلة البحث في أصل الحياة، و المظنون قويّا أنّ الفكر الإنساني سيقف عند هذا الحدّ من المبحث أجيالا و أجيالا.