التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٨ - هي مفهومات عامة مستخرجة من بطون الآيات!
انظر إلى إبراهيم الخليل عليه السّلام حينما رفع بالمنجنيق ليلقى في النار، جاءه جبرئيل من قبل ربّ العزّة و هو يهوى إلى النار، فقال: يا إبراهيم، لك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا!![١].
إنّها لعظمة و شموخ في مقام العبوديّة المحضة، لا يرى سوى اللّه، و لا يستعين بغيره، ما دامت الأمور تجري بعين اللّه، و هو المؤثّر في الوجود، حكيم خبير، و رحيم ودود.
و هذا الإمام أبو عبد اللّه الحسين عليه السّلام يوم عاشوراء، كان كلّما اشتدّ به الكفاح زادت إشراقات وجهه المنير؛ مبتهجا بروح اللّه، متذاكرا بقوله عليه السّلام: «هوّن عليّ ما نزل بي، إنّه بعين اللّه»[٢] فلم يرعه الموقف، و لا هابه ازدحام المناوشين، منصورا مؤيّدا من عند اللّه.
يقول سيد قطب: «و الناس يقصرون معنى النصر على صور معيّنة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم، و لكن صور النصر شتّى، و قد يلتبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة، هذا إبراهيم عليه السّلام و هو يلقى في النار، فلا يرجع عن عقيدته، و لا عن الدعوة إليها، أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شكّ- في منطق العقيدة- أنّه كان في قمّة النصر و هو يلقى في النار.
و الحسين- رضوان اللّه عليه- و هو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب، أكانت هذه نصرا أم هزيمة؟ نعم في الصورة الظاهرة، و بالمقياس الصغير كانت هزيمة، فأمّا الحقيقة الخالصة، و بالمقياس الكبير، فقد كانت نصرا، فما من شهيد في الأرض إلّا و تهتزّ له الجوانح بالحبّ و العطف، و تهفو له القلوب، و تجيش بالغيرة و الفداء للحسين- رضوان اللّه عليه- يستوي في هذا المتشيّعون
[١] . بحار الانوار ١٢: ٣٨٠- ٣٩٠.
[٢] . كتاب اللهوف لابن طاوس: ١٠٣، بحار الأنوار ٤٥: ٤٦.