التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٥ - التفسير بالرأي
قال ابن الأنباري: «فسّر حديث ابن عبّاس تفسيرين:
أحدهما: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة و التابعين، فهو متعرّض لسخط اللّه.
و الآخر- و هو أثبت القولين و أصحّهما معنى-: من قال في القرآن قولا يعلم أنّ الحقّ غيره، فليتبوّأ مقعده من النار».
و قال: «و أمّا حديث جندب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ»[١] فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث على أنّ الرأي معنيّ به الهوى: من قال في القرآن قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن أئمة السلف، فأصاب، فقد أخطأ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، و لا يقف على مذاهب أهل الأثر و النقل فيه».
و قال ابن عطيّة: «و معنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب اللّه عزّ و جلّ، فيتسوّر عليه برأيه[٢]، دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلوم؛ كالنحو و الأصول، و ليس يدخل في هذا الحديث أن يفسّر اللغويّون لغته و النحويّون نحوه، و الفقهاء معانيه، و يقول كلّ واحد باجتهاده المبنيّ على قوانين علم و نظر، فإنّ القائل على هذه الصّفة ليس قائلا بمجرّد رأيه»[٣].
و قال القرطبيّ تعقيبا على هذا الكلام: «هذا صحيح، و هو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإنّ من قال في القرآن بما سنح في وهمه و خطر على باله، من غير استدلال عليه بالأصول، فهو مخطئ، و إنّ من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة، المتّفق على معناها، فهو ممدوح.
[١] . رواه الترمذي ٥: ٢٠٠ رقم ٢٩٥٢.
[٢] . تسوّر الشيء: هجم عليه هجوم اللّصّ و تسلّقه، و يعني به هنا: التهجّم و الإقدام بغير بصيرة و لا وعي.
[٣] . المحرّر الوجيز ١: ٤١( المقدّمة).