التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٩ - التأويل في مصطلح الآخرين
و كذلك الإنسان قد يعرف الحجّ و المشاعر؛ كالبيت و المساجد و منى و عرفات و المزدلفة، و يفهم معنى ذلك، و لا يعرف الأمكنة حتّى يشاهدها، فيعرف أنّ الكعبة المشاهدة هي المذكورة في قوله: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، و كذلك أرض عرفات هي المذكورة في قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ، و كذلك المشعر الحرام- المزدلفة- هي المذكورة في قوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ[١].
قال: «فللتأويل معنيان: أحدهما: تفسير الكلام، و بيان معناه كما تعارف عند السلف، و اعتاده محمد بن جرير الطبري، فيعبّر بالتأويل يريد به التفسير. و المعنى الثاني للتأويل: هو نفس المراد بالكلام، فإنّ الكلام إن كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، و إن كان خبرا كان تأويل نفس الشيء المخبر به. و بين هذا المعنى و الذي قبله بون، فإنّ الذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم و الكلام، كالتفسير و الشرح و الإيضاح، و يكون وجود التأويل في القلب و اللسان، له الوجود الذهني و اللفظي و الرسمي. و أمّا المعنى الثاني فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أو مستقبلة. فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا نفس طلوعها»[٢].
و خلاصة الكلام: أنّ العلم بمفاهيم الكلام الذهنيّة علم بتفسيرها؛ لتكون مشاهدة مصاديق تلك المفاهيم بأعيانها الخارجية علما بتأويلها.
هذا ما فرضه أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الحرّاني (المتوفّى سنة ٧٢٨ ه) بشأن التأويل حسب مصطلحه الخاصّ.
و من ثمّ فقد أغرب في مصطلحه، حيث جعل المصداق تأويلا للكلام؛ إذ لم يعهد
[١] . تفسير سورة الاخلاص: ١٠٣.
[٢] . رسالة الإكليل: ١٨ المطبوعة ضمن المجموعة الثانية من رسائله.