التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - ظاهرة تداعي المعاني
ظاهرة تداعي المعاني:
كانت السوانح الفكريّة التي تدعى واردات القلوب، يمكن تفسيرها بظاهرة تداعي المعاني (الشيء يذكر بالشيء)[١]. فقد ينسبق إلى أذهان أصحاب المعالي لطائف أفكار و ظرائف أنظار، و لا منشأ لها سوى تلاوة آيات قرعت أسماعهم، و إذا بدقائق هي رقائق الفكر سنحت لهم بالمناسبة، و من غير أن تكون مدلولة ذاتيّة للكلام ما عدى الفحوى العامّ.
فكم من طرائف فكر و ظرائف عبر تسنح أذهان ذوي الاعتبار، بمجرّد أن واجهوا حادثة أو شاهدوا واقعة أوقفتهم عند حدّها، و ألزمتهم حجّتها، فأخذوا منها دروسا و عبرا، و هكذا عند استماع تلاوة أو قراءة آية ذكّرتهم مكارم أخلاق و مبادي آداب، كان كلّ ذلك من قبيل تداعي المعاني الخارج من دلالة اللفظ ذاته، بل الشيء قد يذكر بالشيء حتى و لو كان ضدّه، فضلا عمّا لو كان نظيره.
مثلا: عند ما يستمع العارف السالك إلى قوله تعالى- خطابا مع موسى و هارون-:
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى* فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى[٢]، ينسبق إلى ذهنه بادرة ضرورة تهذيب النفس، و ارعوائها عن الطغيان و العصيان قبل كلّ شيء.
فيخاطب نفسه: ما بالك أنت منشغلا عن فرعنة نفسك الطاغية؟ فاذهب إليها، و اجمع جموعك في تهذيبها و ترويضها، و لاطف معها بلين، لعلّها تتّعظ و ترعوي و ترضخ لإرشادات العقل الحكيم.
فهذا لم يفسّر القرآن و لا جعل فرعون مرادا به النفس الأمّارة بالسوء، و لا موسى
[١] . حسب تعبير ابن الصلاح فيما يأتي من نقل كلامه.
[٢] . طه ٢٠: ٤٣.