التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤ - تأويلات قد تحتمل القبول
النحو التالي: «أصل الوقوف على معاني القرآن التدبّر و التفكّر، و اعلم أنّه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة، و لا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة، و في قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كبر أو هوى أو حبّ الدنيا، أو يكون غير متحقّق الإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو معتمدا على قول مفسّر ليس عنده إلّا علم الظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله (رأيه الخاصّ)، و هذه كلّها حجب و موانع، و بعضها آكد من بعض»[١].
لا شكّ بعد هذا كلّه أنّ تفرقة الخطاب الديني المعاصر بين التفسير و التأويل تفرقة صحيحة، فإذا كان التأويل يعتمد على حركة ذهن المؤوّل في مواجهة النصّ، أن لا يفتح ذلك الباب واسعا على مصراعيه للخلافات المؤدّية إلى الشقاق، شقاق له جذوره في تعارض المصالح بين المستغلّين.
نعم، ليس معنى ذلك أنّ التأويل الموضوعي للنصّ الديني أو الأدبي مطلبا عسير التحقيق كما تبالغ بعض اتجاهات فلسفة التأويل المعاصر، فنفي الموضوعية في حقيقته تكريس للذاتيّة، إنّ الموضوعيّة التي يمكن تحقيقها في تأويل النصوص موضوعيّة ثقافيّة مرهونة بالزمان و المكان، و ليست موضوعيّة مطلقة، لا موضع لها إلّا على مسرح الوهم و الخيال، و من إبداع أيديولوجيّة الغرب الاستعماري.
إنّ هذه الموضوعيّة الثقافيّة تتحقّق بتحرّي القارئ استخدام كلّ طرائق التحليل و أدواته لاكتشاف دلالة النصّ، كما تحقّق من خلال استغراق المؤوّل في أعماق النصّ سعيا لسبر أغواره، و لا على المؤوّل تثريب بعد ذلك أن تتطوّر أدوات التحليل و طرائقه في عصر تال، و تكتشف في النصّ جوانب لم تكتشف قبل ذلك، إنّ حركة النصّ في الزمان و المكان ليست إلّا حركة في واقع حيّ متطوّر، و اكتشاف دلالات جديدة للنصوص لا يعني إسقاط الدلالات التي كشفت قبل ذلك من هذه النصوص.
[١] . البرهان للزركشي ٢: ١٨٠- ١٨١.