التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - تأويلات قد تحتمل القبول
و يقول عن آليّات التأويل: «إنّ المفسّر يقف عند حدود علوم القرآن و علوم اللغة، و مع العلم بهذه العلوم و إجادتها يصبح القارئ قادرا على اكتشاف دلالة النصّ، و بها ينتقل من مرتبة القارئ و يصبح مفسّرا.
لكن تظلّ في النص أبعاد دلاليّة أعمق، تحتاج إلى حركة الذهن أو العقل إزاء النصّ، إنّها الأبعاد التي تحتاج إلى حركة التأويل بعد أن يستنفد المفسّر بأدواته العلميّة كلّ إمكانيّات الدلالة التي يمكن اكتشافها بواسطة هذه العلوم، و هي الدلالة التي ينطلق منها المؤوّل للغوص في أعماق النصّ (من الظهر الى البطن) من خلال حركة الذهن أو الاجتهاد.
إنّ الاجتهاد في تأويل النصّ لا يختلف في الفقه و مجال الأحكام منه في أقسام النصّ الأخرى، من حيث إنّه يعتمد على حركة العقل للنفاذ إلى أعماق النصّ، و إذا كان الاختلاف في مجال التأويل (الاجتهاد) الفقهي اختلافا من قبيل الرحمة (اختلاف أمّتي رحمة) تخفيفا على الأمّة، فإنّ اختلاف التأويل في أقسام النصّ الأخرى يجب أن ينظر إليه من نفس المنظور، خاصّة إذا اعتمد المؤوّل على كلّ أدوات تحليل النصّ، و لم يكن استناده إلى مجرّد الهوى أو الرأي الشخصي.
إنّ مقاربة النصّ، و اكتشاف أسراره تبدأ بالقراءة الأولى، ثم تثنّى بالقراءة التحليليّة، فتكتشف من خلالها مفاتيح النصّ و مرتكزاته الدلاليّة، و من خلال هذه المرتكزات يكتشف المؤوّل بعض أسرار النصّ، و يظلّ النصّ قابلا للقراءة الجديدة، لكنّ القراءة التأويليّة (الاجتهاديّة) لا بدّ أن تعتمد على استغراق القارئ في عالم النصّ استغراقا شبه تامّ، و بدون هذا الاستغراق تظلّ القراءة سطحيّة، و تدور في إطار التأويل المكروه».
قال: «و قد عبّر القدماء عن مثل هذا المنظور بلغتهم الخاصّة، و من خلال تصوّراتهم لضرورة وجود حالة من «التوحّد» بين القارئ و النصّ، عبّروا عنه على